الشباب العربي: كواليس مزيّفة، مقارنة حقيقية
أ. وائل نعيم عبدالله
كاتب، باحث في القضايا الاجتماعية والتنمية وإدارة الأزمات
كل مساء، يفتح ملايين الشباب العرب هواتفهم ليروا نسخة واحدة متكررة من العالم: نجاح لامع، جسد مثالي، سفر بلا تعب وابتسامة لا تنطفئ. وبصمت تبدأ المقارنة كأخطر صراع نفسي: لماذا حياتي أقل بريقاً؟
الحقيقة أن ما يُعرض أمامنا ليس عينة عشوائية من حياة أحد، بل مختارات دقيقة صُنعت لتُرى. نحن نقارن يومنا الكامل بتفاصيله المرهقة والعادية بلقطات منتقاة من حياة غيرنا. وهذه المقارنة، كما تكشف الأبحاث الحديثة، ليست بريئة. فقد شملت الأبحاث والدراسات أكثر من 15 ألف مشارك عربي، وربطت الاستخدام المرتفع لوسائل التواصل الاجتماعي بارتفاع القلق والاكتئاب واضطراب النوم. وكانت هذه مراجعة منهجية نُشرت في «المجلة الآسيوية للطب النفسي».
وفي دراسة أوسع للمصدر ذاته شملت أكثر من 36 ألف مشارك حول العالم، وجد الباحثون أن المقارنة الصاعدة، أي مقارنة الذات بمن يبدو أفضل حالاً، ترتبط بشكل واضح بمشاعر سلبية تجاه الذات وبالقلق وانخفاض تقدير الذات.
وهنا، وإن كانت المقارنة الاجتماعية لم تفسر سوى جزء ضئيل من هذا الأثر النفسي، وقد يتطور مستقبلاً إلى أثر نفسي حاد، فهذا يعني أن القصة أعقد من فكرة «الهاتف يسبب الاكتئاب». فالمحتوى ودافع الاستخدام والحالة النفسية المسبقة للفرد كلها عوامل متشابكة. ومع ذلك، حين نبحث عن العلاقة بين الاستخدام الإشكالي نفسه والمقارنة الاجتماعية، نجد أن هذا الجيل أصبح يضع الصحة النفسية والعلاقات والمظهر الذي يظهر به أمام الناس ضمن أولوياته الأساسية.
ورغم كل هذا التعقيد، تبقى فكرة واحدة راسخة: حين تُختزل قيمتك في مقارنة مستمرة بحياة منتقاة لغيرك، فأنت تخسر معركة خاسرة سلفاً لأنك تقارن الحقيقة بالافتراض والخيال.
والأخطر باعتقادي أن هذه الدورة تتغذى على نفسها. فكلما زاد شعورك بالنقص عدت إلى منصات التواصل الاجتماعي نفسها بحثاً عن الطمأنينة، فتجد المزيد مما يغذي الشعور بالقلق والاكتئاب من جديد. وهنا على الأقل أصبح لزاماً علينا ضبط استخدام الهاتف والانتباه إلى ما نشاهده وكيف نبحث، وأن نبحث بشكل صحيح عما يفيدنا ويطورنا ويحسن من حالتنا النفسية ويخفف عبء الضغوط اليومية.
إذاً، فهل يملك جيل كامل نشأ داخل هذه المرآة المشوّهة القدرة على أن يرى نفسه بعيداً عنها؟
الشباب العربي: كواليس مزيّفة، مقارنة حقيقية

