سوريا في صفحات التاريخ الروماني
بقلم: وائل المولى
عندما نقرأ تاريخ سوريا، يصعب تجاهل الحضور الروماني العميق الذي ترك آثاره واضحة حتى اليوم في المدن والطرق والمعابد والمسارح المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد. فقد كانت سوريا، بحكم موقعها الجغرافي، واحدة من أهم مناطق التلاقي بين حضارات الشرق والعالم اليوناني والروماني، ضمن فضاء متوسطي واسع شهد حركة نشطة من التبادل التجاري والثقافي والسياسي.
وفي قلب هذه الصفحات تبرز تدمر، المدينة التي استطاعت أن تحتل مكانة استثنائية في تاريخ الشرق. فقد كانت مركزاً تجارياً مهماً على طرق القوافل الكبرى، وربطت بين بلاد الرافدين وسوريا وشبه الجزيرة العربية والبحر المتوسط. ومنحها هذا الموقع ثروة ونفوذاً ومكانة تجاوزت حدودها المحلية.
وفي القرن الثالث الميلادي ظهرت زنوبيا، ملكة تدمر، التي ارتبط اسمها بإحدى أكثر المراحل إثارة في تاريخ المدينة. ففي فترة شهدت اضطرابات سياسية وعسكرية عميقة داخل الإمبراطورية الرومانية، امتد نفوذ تدمر إلى مناطق واسعة من الشرق، ووصل إلى مصر وأجزاء من الأناضول وسوريا.
لكن أهمية زنوبيا لا يمكن اختزالها في علاقتها بروما أو في الصراع الذي انتهى بسقوط تدمر. فشخصيتها تكشف أيضاً عن تعقيدات مرحلة تاريخية كانت فيها الحدود السياسية والثقافية مختلفة كثيراً عن عالمنا المعاصر. وكانت تدمر نفسها نتاجاً لتفاعل حضارات متعددة، حيث اجتمعت في شوارعها ومعابدها وفنونها التأثيرات المحلية والهلنستية والرومانية والشرقية.
وعندما وصل الإمبراطور أوريليان إلى تدمر عام 272 ميلادية، انتهت التجربة السياسية التي قادتها زنوبيا، لكن المدينة لم تخرج من صفحات التاريخ. فقد بقيت آثارها شاهدة على تلك المرحلة، كما بقي اسم ملكتها حاضراً في الذاكرة السورية والأوروبية، ومنها الذاكرة الإيطالية التي احتفظت على مدى القرون بصورة تدمر وزنوبيا في الأدب والفنون والمسرح والأوبرا.
ولعل أهم ما يمكن أن نتذكره من هذه المرحلة التاريخية هو أن تاريخ سوريا لم يكن يوماً منفصلاً عن تاريخ البحر المتوسط، وأن المدن السورية لعبت دوراً فاعلاً في حركة واسعة من البشر والأفكار والثقافات والتجارة، امتدت من الشرق إلى الغرب.
واليوم، عندما نقف أمام أعمدة تدمر، أو مسرح بصرى، أو آثار أفاميا، أو أمام بقايا المدن الرومانية العديدة في سوريا، فإننا لا نرى مجرد حجارة صامتة، بل نقرأ صفحات من تاريخ طويل التقت فيه الحضارات والمصالح والثقافات، وتأثرت ببعضها البعض وتغيرت من خلال هذا التفاعل.
إنها صفحات سورية من تاريخ روماني ومتوسطي أوسع، بقيت حية في الحجر والذاكرة وفي الصورة التي حملها العالم الروماني والأوروبي عن الشرق، وأعاد تفسيرها عبر القرون.
المصدر الصداقة نيوز
