يكفي سنوات من التشخيص… حان وقت معالجة عملية تصون حياة وكرامة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان
كتب عصام الحلبي
في 11 أيلول 2026، عُقد في بيروت اللقاء الرابع ضمن سلسلة «نتواصل من أجل الحقوق»، الذي نظمته الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، بالتعاون مع لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، تحت عنوان «حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: نحو مقاربة حقوقية وسياسات أكثر عدالة».
اللقاء جمع عدداً من المعنيين بالملف الفلسطيني والحقوقي، بينهم المستشارة في سفارة دولة فلسطين في بيروت بنان غانم، والمدير العام للمنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان غسان عبد الله، ومفوض العلاقات الدولية والإعلام في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بسام القنطار، وأمينة سر الهيئة الدكتورة رنا الجمل، والمستشار السياسي والقانوني للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني الدكتور علي مراد، إضافة إلى زياد عبد الصمد من شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، وكمال شحادة مؤسس ورئيس جمعية مسار، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات حقوقية لبنانية وفلسطينية ولجان المخيمات والفصائل والمنظمات الفلسطينية وناشطين وباحثين ومهتمين بقضايا اللاجئين الفلسطينيين.
أهمية اللقاء لم تكن في عقد اجتماع جديد حول قضية يعرفها الجميع، بل في أنه أعاد طرح السؤال الأساسي الذي طال انتظاره، ماذا بعد كل هذا التشخيص؟
فاللاجئون الفلسطينيون في لبنان لا يحتاجون إلى من يشرح لهم حجم معاناتهم. هم يعيشونها كل يوم، في المخيمات والتجمعات، في فرص العمل، وفي المستشفيات، وفي الجامعات، وفي أزمة السكن، وفي صعوبة الحصول على بعض الحقوق التي أصبحت بالنسبة إلى كثير منهم أمراً طبيعياً في حياة أي إنسان.
ومن هنا كانت مداخلة الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان لافتة، لأنها وضعت القضية في إطار واضح. رفض التوطين لا يعني رفض حقوق الإنسان، وتحسين ظروف حياة اللاجئ الفلسطيني لا يعني منحه الجنسية اللبنانية أو إلغاء حق العودة.
وهذه نقطة أساسية يجب التوقف عندها، لأن النقاش الفلسطيني اللبناني حول الحقوق غالباً ما يعود إلى الخوف من التوطين، وكأن إعطاء الفلسطيني حقه في العمل أو الضمان الاجتماعي أو التملك ضمن ضوابط قانونية يعني بالضرورة توطينه.
الفلسطيني نفسه يعرف الفرق بين الأمرين. هو يريد أن يعيش بكرامة في لبنان، لكنه لا يريد أن يتحول ذلك إلى بديل عن فلسطين ولا عن حقه في العودة.
وهذا ما يجب أن يكون واضحاً في أي مقاربة جدية لهذا الملف.
أما مداخلة الدكتور علي مراد، فذهبت إلى مكان آخر لا يقل أهمية، وهو الفصل بين مسألة السيادة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية. فالسيادة اللبنانية مسألة تخص الدولة اللبنانية، وحقوق اللاجئين مسألة أخرى لا يجوز أن تتحول إلى ورقة تفاوض أو أن تبقى معلقة بسبب ملفات سياسية وأمنية أخرى.
والعبارة التي وردت في اللقاء تختصر جانباً مهماً من المشكلة، «السيادة لا تُقايض بالحقوق، والحقوق لا تُقايض بالسلاح».
هذه المعادلة، إذا أخذت بجدية، يمكن أن تفتح الباب أمام نقاش أكثر هدوءاً وعقلانية. فلبنان من حقه أن يحافظ على سيادته وأمنه، والفلسطيني من حقه في الوقت نفسه أن يعيش حياة كريمة وأن يعمل وأن يتعلم وأن يحصل على الرعاية الصحية وأن يحمي عائلته من العوز.
أما غسان عبد الله، فقد وضع الإصبع على جانب آخر من المشكلة، وهو أن استمرار التعامل مع الفلسطيني من زاوية أمنية أو استثنائية فقط لا يؤدي إلى الاستقرار الذي يريده الجميع.
عندما يعيش الإنسان سنوات طويلة من الفقر والحرمان وانعدام الفرص، فإن المشكلة لا تبقى اجتماعية فقط، بل تتحول إلى مشكلة تمس الاستقرار نفسه. وهذا ينطبق على المخيمات كما ينطبق على أي تجمع سكاني مهمش.
لذلك فإن تحسين ظروف اللاجئين الفلسطينيين ليس خدمة للفلسطينيين وحدهم، بل هو أيضاً مصلحة لبنانية، لأن الإنسان الذي يمتلك فرصة للعمل والتعليم والحياة الكريمة يكون أكثر قدرة على بناء أسرته ومجتمعه، وأقل عرضة لليأس والهجرة والمخاطر التي تنتج عن الفقر والإقصاء.
ومن هنا جاءت مداخلة بنان غانم لتدفع باتجاه الانتقال من الكلام العام إلى خطوات عملية، خصوصاً في موضوع العمل والحماية الاجتماعية والحقوق الاقتصادية.
واللافت أن موضوع مهنة التمريض طرح خلال اللقاء كنموذج واضح. هناك فلسطينيون يمتلكون الكفاءة والخبرة والشهادات، لكنهم يصطدمون بقيود قانونية أو مهنية تحول أحياناً دون استفادتهم من اختصاصاتهم. وهنا يصبح السؤال بسيطاً، لماذا لا تتم معالجة هذه الحالات ضمن القوانين والأنظمة، بدلاً من تركها سنوات طويلة معلقة؟
المشكلة اليوم ليست في غياب الدراسات أو التقارير أو معرفة المطالب. فملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان دُرس كثيراً، وعقدت حوله عشرات اللقاءات والمؤتمرات وصدرت توصيات كثيرة.
المشكلة الحقيقية أصبحت في الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ.
وهذا هو الاختبار الأصعب أمام الدولة اللبنانية والقوى السياسية والمؤسسات الفلسطينية والهيئات الحقوقية معاً.
هناك ملفات يمكن البدء بها من دون انتظار تسوية سياسية كبرى. وهناك حقوق يمكن تنظيمها بقوانين وقرارات واضحة، مع الحفاظ على خصوصية الوضع الفلسطيني في لبنان، وعلى حق العودة، وعلى رفض التوطين، وفي الوقت نفسه فتح الطريق أمام حياة أكثر استقراراً وكرامة.
وفي مقدمة هذه الملفات يأتي الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين، وحق العمل، والضمان الاجتماعي، والمهن التي ما زالت مغلقة أمامهم، وتنظيم أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية، وتحسين أوضاع المخيمات والتجمعات الفلسطينية، إضافة إلى معالجة قضايا السكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
أما قضية فاقدي الأوراق الثبوتية، فهي تحتاج إلى معالجة خاصة وسريعة، لأن الحديث هنا لا يتعلق فقط بحقوق اجتماعية أو اقتصادية، بل بأشخاص يواجهون مشكلة في إثبات هويتهم القانونية وما يترتب على ذلك من صعوبات في حياتهم اليومية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى تحسين حقوق اللاجئين الفلسطينيين على أنه بديل عن وكالة الأونروا. فالأونروا تبقى شاهداً دولياً على قضية اللاجئين ومسؤولية المجتمع الدولي تجاههم، واستمرار دورها وتمويلها أمر أساسي إلى حين الوصول إلى الحل العادل الذي يضمن حق العودة.
لكن بقاء الأونروا لا يعني أن تبقى حقوق الإنسان معلقة. كما أن تحسين حياة اللاجئين لا يعني إعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه الأونروا.
المطلوب اليوم هو مقاربة متوازنة، تحمي لبنان وتحترم سيادته، وتحفظ للفلسطيني هويته وحقه في العودة، وفي الوقت نفسه تنهي حالة الاستثناء الطويلة التي جعلت من أبسط الحقوق مطلباً يحتاج إلى سنوات من النقاش.
اللقاء الأخير مهم لأنه جمع أكثر من جهة حول الطاولة، لكنه يصبح أكثر أهمية إذا لم ينته عند حدود القاعة.
المطلوب الآن أن تتحول الأوراق التي طرحت إلى خطوات واضحة، وأن يوضع جدول للأولويات، وأن يعرف الجميع من المسؤول عن كل خطوة، ومتى تبدأ ومتى يفترض أن تنتهي.
فاللاجئ الفلسطيني الذي ينتظر منذ سنوات لا يحتاج إلى تقرير جديد يخبره بأنه يعاني. هو يعرف ذلك أكثر من أي لجنة أو مؤسسة.
ما يحتاجه هو أن يرى شيئاً يتغير في حياته.
أن يستطيع شاب فلسطيني أن يعمل في المهنة التي درسها. أن تدخل عائلة إلى مستشفى وهي تعرف أنها لن تنهار بسبب فاتورة العلاج. أن يعيش طفل في منزل آمن داخل المخيم. أن يحصل فاقد الورق الثبوتي على طريق واضح لتسوية وضعه. وأن يشعر اللاجئ أن كرامته ليست موضوعاً للمساومة السياسية.
يكفي سنوات من التشخيص.
لقد حان وقت المعالجة العملية، معالجة تحفظ حق العودة، وتحترم سيادة لبنان، وتحمي خصوصية القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تصون حياة وكرامة الإنسان الفلسطيني الذي عاش في لبنان عقوداً طويلة وما زال ينتظر اليوم الذي يعود فيه إلى وطنه.
فالحقوق لا ينبغي أن تبقى حبيسة الأوراق والاجتماعات. قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تصل إلى حياة الناس.
يكفي سنوات من التشخيص… حان وقت معالجة عملية تصون حياة وكرامة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

