كتب خالد القواسمي – فلسطين
** من ملاعب غزة بدأت الحكاية هدافا وقائدا ومحترفا ومدافعا ثم مدربا يهيئ جيلا جديدا لحمل الراية
ثمة أسماء لا تمر في تاريخ الرياضة مرور العابرين ولا تختصرها الارقام ولا تحيط بها قائمة من الالقاب فحسب بل تظل عالقة في الذاكرة لانها ارتبطت بمرحلة كاملة وبأجيال عاشت تفاصيلها وشهدت على حضورها واحمد ناصر كشكش واحد من تلك الاسماء التي كتبت حضورها في ملاعب كرة القدم الفلسطينية بعطاء طويل وتجربة ثرية ومسيرة امتدت لما يقارب ربع قرن .
من ملاعب غزة كانت البداية ومن نادي هلال غزة في العاشرة من عمره ظهر احمد يحمل شغفا اكبر من عمره ومضي خلف الكرة كما يمضي الحالم خلف موعده الاول مع المستقبل لم يكن يدري يومها ان تلك الخطوات الصغيرة ستقوده بعد سنوات الى مجد رياضي اكبر والى مدرجات تهتف باسمه والى شارة قيادة المنتخب الفلسطيني والى لحظات ستبقى محفورة في ذاكرة الكرة الفلسطينية .
كبر احمد كشكش وكبر معه الحلم ومع كل موسم كان يضيف الى تجربته صفحة جديدة حتى تحولت السنوات الى مسيرة متكاملة عاش فيها اكثر من وجه لكرة القدم فكان المهاجم الهداف والقائد المؤثر والمحترف في الملاعب الاردنية والمدافع الذي اعاد اكتشاف نفسه ثم المدرب الذي قرر ان يحمل تجربته من جيل الى جيل.
** هلال غزة المهد الذي خرج منه الهداف
في هلال غزة تشكلت الملامح الاولى للاعب الذي سيعرفه الجمهور الفلسطيني لاحقا هناك ترعرع كشكش وتدرج في الفئات العمرية وحقق مع فرق الناشئين عددا من البطولات قبل ان يشق طريقه نحو الفريق الاول.
وجاء عام 2005 ليكون واحدا من الاعوام الفارقة في مسيرته ففي الدوري التصنيفي لاندية الدرجة الاولى ظهر كشكش هدافا لفريقه وقاد الهلال باهدافه وحضوره الى صدارة المجموعة الثالثة ليكون الفريق على موعد مع التأهل الى مصاف اندية الدوري الممتاز في انجاز مهم للنادي .
في تلك المرحلة بدأ اسم كشكش يتردد بقوة في اوساط الكرة الفلسطينية فالمهاجم الشاب لم يكن يكتفي بالحضور بل كان يعرف كيف يصنع الفارق وكيف يحول انصاف الفرص الى اهداف وكيف يجعل من الشباك موعدا متكررا .
كما توج هدافا لبطولة الوحدة والوفاء برصيد 16 هدفا وترك بصمته في البطولات التي شارك فيها ليؤكد ان ما بدأ موهبة في ملاعب غزة كان في طريقه ليصبح مسيرة حقيقية .
من غزة الى الضفة الحلم يعبر الحدود
بعد ان لمع نجمه مع هلال غزة استقطبه مركز شباب الامعري الى صفوفه لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته كانت الضفة الغربية محطة مختلفة وتجربة اكثر اتساعا اختبر فيها قدراته بين اسماء واندية ومنافسات جديدة.
وفي صفوف الامعري واصل حضوره القوي وساهم في وصول الفريق الى وصافة الدوري الفلسطيني الممتاز وكان هداف الفريق برصيد 14 هدفا.
كانت تلك المحطة بمثابة جسر عبر من خلاله كشكش من مرحلة اللاعب الواعد الى مرحلة النجم الذي تفرضه ارقامه وحضوره على المشهد الكروي الفلسطيني ومن هنا بدأت ابواب المنتخب تفتح امامه وبدأ الحلم يتجاوز حدود النادي ليصبح الحلم وطنيا.
** المنتخب الفلسطيني القميص الذي يحمل الوطن
لم يكن ارتداء قميص المنتخب الفلسطيني مجرد محطة اخرى في مسيرة احمد كشكش بل كان انتقالا الى مساحة اكثر رحابة واكثر ثقلا فهناك لم يعد اللاعب يمثل نفسه او ناديه بل اصبح يحمل اسم فلسطين في الملاعب العربية والاسيوية .
مثل كشكش المنتخب الاولمبي وشارك معه في عدد من الاستحقاقات من بينها اسياد الدوحة كما مثل المنتخب الوطني الاول في العديد من المناسبات والتصفيات والمنافسات الاسيوية وكان من ابرز لاعبيه وهدافيه .
ومع مرور الوقت اكتسب ثقة زملائه ومدربيه حتى حمل شارة قيادة المنتخب في واحدة من اكثر المباريات رمزية في تاريخ الكرة الفلسطينية .
** هدف في ليلة لا تشبه سواها
في عام 2008 كان ملعب الشهيد فيصل الحسيني على موعد مع افتتاحه في مباراة تاريخية جمعت المنتخب الفلسطيني بنظيره الاردني وفي تلك الليلة وقف احمد كشكش قائدا للمنتخب مرتديا شارة حملت معنى اكبر من مجرد قطعة قماش على ذراع لاعب .
** لحظة الهدف
تقدم كشكش وسجل هدف السبق للمنتخب الفلسطيني ليصبح اسمه مرتبطا بواحدة من اشهر لحظات الكرة الفلسطينية بعض الاهداف تعيش تسعين دقيقة وبعضها يعيش اعواما وبعضها يتحول الى ذاكرة وطن رياضي وهدف كشكش امام الاردن كان من النوع الاخير فقد جاء في مناسبة تاريخية وعلى ارض فلسطينية وفي افتتاح ملعب حمل اسم الشهيد فيصل الحسيني وفي ليلة كانت الجماهير فيها ترى في كرة القدم مساحة للفرح والاعتزاز والانتماء لهذا بقي الهدف حاضرا كلما فتحت صفحات الذاكرة الرياضية الفلسطينية وبقي صاحبه حاضرا معه .
** الاردن فصل الاحتراف ونضج التجربة
بعد ان اثبت نفسه في الملاعب الفلسطينية انتقل كشكش الى الاردن ولعب مع شباب الاردن ثم خاض تجربة اكثر بريقا مع الوحدات الأردني كانت محطة الوحدات واحدة من العلامات المضيئة في مسيرته فهناك وجد نفسه في بيئة تنافسية قوية ونجح في ان يثبت ان اللاعب الفلسطيني قادر على صناعة حضوره خارج الحدود
في عام 2009 ساهم في تتويج الوحدات بكأس الكؤوس الاردنية وسجل هدف الفريق الاول في المباراة النهائية امام شباب الأردن .
وفي عام 2010 عاد الى منصة التتويج مع الوحدات في كأس الاردن وسجل هدف المباراة الوحيد في النهائي امام العربي ليمنح فريقه اللقب كما تصدر قائمة هدافي البطولة برصيد 6 اهداف قبل المباراة النهائية.
لم تكن تلك الاهداف مجرد ارقام في سجل لاعب محترف بل كانت شهادات جديدة على قدرته على صناعة الفارق في المباريات الكبيرة وعلى قدرته على حمل المسؤولية عندما تكون الكأس على مسافة هدف .
** شباب الخليل ومحطات لا تنسى
بعد تجربته الاردنية عاد كشكش الى الملاعب الفلسطينية وكان انتقاله الى شباب الخليل من ابرز الصفقات في الدوري الفلسطيني في تلك المرحلة قبل ان يواصل مسيرته مع شباب السموع واهلي الخليل .
ومع كل قميص جديد كان يضيف الى تجربته شيئا جديدا حتى اصبحت مسيرته لوحة واسعة جمعت بين ملاعب غزة والضفة الغربية والأردن .
وبمرور السنوات لم يعد كشكش مجرد مهاجم يبحث عن الشباك بل اصبح لاعبا اكثر نضجا وخبرة وهدوءا وهو ما قاده الى واحدة من اكثر التحولات اثارة في مسيرته .
** من قناص الشباك الى صخرة الدفاع
بدأ احمد كشكش مهاجما صريحا وكانت غريزة الهداف احدى ابرز سماته كان يعرف كيف يتحرك وكيف يقتنص الفرصة وكيف يحول اللحظة الصغيرة الى هدف .
لكن كرة القدم لا تمنح دائما اللاعب الطريق الذي يتوقعه ومع انتقاله الى الخط الخلفي وجد كشكش نفسه امام اختبار جديد يعيد من خلاله تقديم ذاته.
ترك منطقة الجزاء التي اعتاد مهاجمتها واتجه الى المنطقة التي اصبح مطالبا بحمايتها تحول من رجل يبحث عن الثغرات الى رجل يغلقها ومن لاعب يطارد الشباك الى مدافع يقف بينها وبين الخطر.
وكان نجاحه في هذا التحول دليلا على قيمة التجربة التي تراكمت لديه.
فقد منحته سنوات الملاعب الهدوء وقوة الشخصية ومعرفة المنافسين والقدرة على قراءة تحركاتهم ليصبح مدافعا صلبا وموثوقا ويؤكد ان اللاعب الكبير لا تحده خانة في الملعب بل تحدده قدرته على العطاء اينما وضعته الحاجة.
** الالقاب والجوائز صفحات من سجل حافل
حمل سجل احمد كشكش الكثير من المحطات والانجازات فقد فاز مع هلال غزة ببطولة الوحدة والوفاء وساهم في تصدر المجموعة الثالثة بالدوري التصنيفي والتأهل الى الدوري الممتاز كما حصد مع النادي عددا من بطولات الفئات العمرية
وعلى الصعيد الفردي حصل على لقب هداف بطولة الوحدة والوفاء برصيد 16 هدفا ونال لقب افضل مهاجم فلسطيني عام 2005 في استفتاء جريدة الحياة الجديدة كما اختير افضل مهاجم لعام 2007 في استفتاء منتدى كووورة فلسطينية .
وفي عام 2008 نال لقب افضل لاعب فلسطيني في الاستفتاء ذاته كما توج هدافا لبطولة شهداء فلسطين ولبنان الرمضانية برصيد 9 اهداف.
وفي فلسطين حقق وصافة الدوري الممتاز مع مركز شباب الامعري وكان هداف الفريق برصيد 14 هدفا بينما اضاف في الاردن كأس الكؤوس وكأس الاردن مع الوحدات.
لكن كل هذه الارقام لا تمثل سوى الجانب الذي يمكن للورق ان يحفظه اما الجانب الاهم فهو ما بقي في الذاكرة من حضور ومواقف واهداف وشخصية .
** القائد الذي لم تكن الشارة وحدها عنوانه
كانت القيادة في شخصية احمد كشكش اكبر من شارة يحملها على ذراعه. فقد كان من اللاعبين الذين يحظون بثقة المدربين والاداريين ويحترمهم زملاؤهم وتقدره الجماهير .
ومنذ انتقاله من قطاع غزة الى المحافظات الشمالية استقر في مدينة الخليل وارتبط بها وباندية المدينة ارتباطا عميقا حتى اصبحت الخليل جزءا من قصته واصبح هو واحدا من الاسماء التي تحملها ذاكرتها الرياضية .
وكان تواضعه وحسن سلوكه واخلاقه جزءا من صورته خارج الملعب مثلما كان اداؤه وشخصيته القيادية جزءا من صورته داخله .
** الاعتزال نهاية مشوار وبداية رسالة
بعد ما يقارب 24 عاما من الركض في الملاعب اتخذ احمد كشكش قرار الاعتزال لاعبا كانت نهاية فصل طويل حمل الكثير من الذكريات لكنه لم يكن نهاية العلاقة بالكرة .
** اعتزل اللعب ولم يعتزل الشغف
هكذا اتجه كشكش الى التدريب وحصل على الرخصة الاسيوية للمستوى B وبدأ العمل مع الفئات العمرية ثم تولى قيادة الفريق الاول في جمعية الشبان المسلمين الناشط في دوري الدرجة الثانية .
كان ينتقل من موقع اللاعب الذي ينفذ الى موقع المدرب الذي يصنع القرار ومن شخص يركض داخل الملعب الى شخص يراقب الصورة كاملة من خارجه .
** اكاديمية الشبان الدولية من صناعة اللاعب الى صناعة المستقبل
اليوم يواصل احمد كشكش رحلته في عالم كرة القدم من خلال العمل على اعداد فريق اكاديمية الشبان الدولية واضعا خلاصة سنواته الطويلة في الملاعب بين ايدي جيل جديد .
ومع عودة النشاط الرياضي بدأت ثمرة هذا العمل تظهر سريعا عندما استطاع الفريق بقيادة كشكش الوصول الى وصافة بطولة خليل الرحمن التنشيطية التي نظمها نادي شباب الخليل.
قد تبدو الوصافة في ظاهرها مركزا في بطولة تنشيطية لكنها في معناها الاعمق كانت اشارة مضيئة الى مشروع يتشكل والى جيل يخطو خطواته الاولى نحو المستقبل .
كان الانجاز بمثابة اعلان هادئ لكنه واضح عن قدرة كشكش على الانتقال من صناعة الانجاز كلاعب الى صناعة اللاعبين كمدرب وعن امكانية ان تتحول سنوات الخبرة التي عاشها في الملاعب الى مدرسة يستفيد منها القادمون .
ولعل الاهم ان هذا الحضور لم يأت منفصلا عن تاريخ الرجل بل جاء امتدادا طبيعيا له. فاللاعب الذي عرف معنى القميص والبطولة والمسؤولية يعرف اليوم كيف يزرع هذه القيم في نفوس لاعبين صغار يبحثون عن موطئ قدم لهم في عالم كرة القدم .
ومن هنا يمكن القول ان وصافة بطولة خليل الرحمن لم تكن خاتمة انجاز بل كانت ربما اول سطر في صفحة جديدة عنوانها عهد مختلف ومستقبل واعد واسماء شابة يمكن ان تحمل الراية في السنوات المقبلة.
احمد كشكش ذاكرة لا يغلقها الاعتزال
حين نستعيد سيرة احمد كشكش لا نستعيد فقط مهاجما سجل الاهداف ولا قائدا حمل شارة المنتخب ولا محترفا تألق في الملاعب الاردنية ولا مدافعا اعاد اكتشاف نفسه نستعيد حكاية جيل كامل من كرة القدم الفلسطينية .
نستعيد طفلا خرج من ملاعب غزة يحمل حلما صغيرا ثم تحول الحلم مع الايام الى قميص منتخب والى هدف تاريخي والى بطولات واحتراف والى تجربة انسانية واسعة امتدت من هلال غزة الى الامعري وشباب الخليل وشباب السموع واهلي الخليل ومن شباب الاردن الى الوحدات الأردني .
نستعيد لاعبا عرف ان كرة القدم لا تمنح اسرارها دفعة واحدة وان الطريق الى المجد يحتاج الى الصبر والعمل والقدرة على النهوض كلما تغيرت الظروف .
ونستعيد انسانا لم تكن قيمته في ما فعله داخل الملعب فقط بل في ما تركه خارجه من احترام ومحبة واثر من الماضي الجميل الى مستقبل يحمل الوعد ربما تكون اجمل نهاية لمسيرة لاعب هي الا تكون نهاية على الاطلاق واحمد كشكش اليوم لا يقف عند حدود ذكرياته ولا يعيش على امجاد الماضي بل يحاول ان يجعل من ذلك الماضي جسرا الى المستقبل .
فمن هداف في ملاعب غزة الى قائد للمنتخب ومن محترف في الاردن الى مدافع صلب ومن لاعب يلاحق الاهداف الى مدرب يصنع اللاعبين تتواصل الرحلة بنفس الشغف الذي بدأت به قبل عقود.
واليوم يقف مع لاعبي اكاديمية الشبان الدولية في بداية فصل جديد فصل لا تقاس قيمته بما تحقق حتى الان بل بما يمكن ان يولد منه غدا.
** وصافة بطولة خليل الرحمن التنشيطية كانت واحدة من اولى الاشارات لكنها قد تكون ايضا بذرة لشيء اكبر مشروع يبنى بالصبر ويكبر بالعمل ويستمد روحه من تاريخ رجل عرف الملاعب لاعبا وقائدا ومحترفا ومدافعا ويعرفها اليوم مدربا ومربيا وصانعا للمواهب .
تلك هي قيمة الارث الحقيقي ان يتحول ما عاشه اللاعب الى خبرة وما تعلمه الى رسالة وما حققه الى طريق يسلكه الاخرون ولهذا فان حكاية احمد كشكش لا تقف عند اخر هدف سجله ولا عند اخر قميص ارتداه ولا عند صافرة المباراة الاخيرة في مسيرته .
** الحكاية مستمرة
بدأت من غزة وكبرت في فلسطين وعبرت الى الاردن وعادت الى الخليل ثم وجدت لنفسها اليوم مكانا جديدا بين اقدام لاعبين صغار يحلمون بالمستقبل .
وربما بعد سنوات ستعود الجماهير الى هذه البدايات وتتذكر ان هناك رجلا اسمه احمد كشكش قرر ان يرد الجميل لكرة القدم بالطريقة التي يعرفها اكثر من غيرها بصناعة جيل جديد.
فبعض اللاعبين يتركون خلفهم اهدافا وبطولات وبعضهم يتركون ذكريات اما اللاعب الذي ينجح في صناعة من يحمل الراية بعده فإنه يترك شيئا ابقى من كل ذلك يترك اثراويترك ارثا ويترك للمستقبل موعدا مع الحكاية. عرض أقل
أحمد كشكش سيرة لاعب تفوح منها رائحة التاريخ

