السعودية… حين تتحول الثقافة إلى جسر من الصحراء إلى العالم
بقلم: محمود رمضان
ممثل جمعية الصداقة الإيطالية العربية في لبنان
حين تُذكر السعودية في الخارج، غالباً ما تتقدم إلى الواجهة صور النفط والصحراء والاقتصاد والسياسة. لكن المملكة التي تمتلك تاريخاً يمتد لقرون، وتنوعاً جغرافياً وثقافياً واسعاً، بدأت خلال السنوات الأخيرة تقدم للعالم وجهاً آخر: وجهاً تصنعه الثقافة والتراث والفنون والمدن والحكايات الإنسانية.
إنها ليست محاولة لمحو الصورة القديمة، بل لإضافة صورة جديدة إليها.
فالسعودية ليست لوناً واحداً. من نجد، بذاكرتها وعمارتها وشعرها، إلى الحجاز بمدنه التاريخية وانفتاحه على ثقافات العالم، ومن عسير بتراثها وفنونها، إلى المنطقة الشرقية المرتبطة بالبحر والتجارة، تتشكل فسيفساء ثقافية تمنح المملكة تنوعاً قلّما تختصره صورة واحدة.
وهنا تأتي أهمية الثقافة بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة. فالدول لا تُعرّف بنفسها من خلال اقتصادها أو قوتها السياسية فقط، وإنما من خلال قدرتها على جعل الآخرين يتعرفون إلى مجتمعها وتاريخها وفنونها وخصوصيتها الإنسانية.
وتقدم العلا نموذجاً بارزاً لهذا التحول. فالمواقع التاريخية والآثار والطبيعة لم تعد مجرد شواهد على الماضي، بل أصبحت جزءاً من تجربة ثقافية وسياحية تجمع بين التاريخ والفن والفعاليات الدولية، وتفتح نافذة جديدة على الحضارات التي تعاقبت على أرض الجزيرة العربية.
وفي جدة التاريخية، تبدو الحكاية مختلفة ولكنها مكملة. فالأحياء القديمة والعمارة التقليدية وذاكرة البحر والحج والتجارة تروي قصة مدينة كانت منذ قرون نقطة التقاء بين شعوب وثقافات متعددة.
أما الرياض، العاصمة الحديثة، فتحولت بدورها إلى مساحة واسعة للفعاليات الثقافية والفنية، فيما بدأت السينما السعودية والموسيقى والفنون البصرية والأدب تجد حضوراً متزايداً في المشهد المحلي والدولي.
ولا يقل أهمية عن ذلك الجيل الجديد من المبدعين السعوديين. فالشاعر والروائي والفنان والمخرج والمصمم لم يعد يقدم تجربته لجمهور محلي فقط، إذ أتاحت المنصات الرقمية والمهرجانات الدولية وصول الإبداع السعودي إلى جمهور عربي وعالمي، ليصبح المبدع نفسه سفيراً لثقافة بلاده.
والقوة الناعمة هنا لا تعني الدعاية، بل القدرة على بناء علاقة إنسانية مع الآخر. أن يعرف العالم السعودية من خلال شاعرها وفنانها ومطبخها وعمارتها وموسيقاها، كما يعرفها من خلال اقتصادها وموقعها الجغرافي.
لهذا تبدو التجربة الثقافية السعودية اليوم جديرة بالقراءة. فالمملكة لا تكتفي بعرض تراثها، بل تعمل على تحويل هذا التراث إلى لغة معاصرة قادرة على الحوار مع العالم.
ومن الصحراء التي حفظت القصيدة والحكاية، إلى المدن التي تستضيف الفن والثقافة، تبدو السعودية وهي تعيد اكتشاف قوتها الناعمة
.
إنها رحلة لا تهدف إلى تغيير الماضي، بل إلى منحه فرصة جديدة كي يُسمع في العالم.
فالسعودية التي تصل اليوم إلى العالم عبر الثقافة، تقول ببساطة: لدينا تاريخ نعتز به، وحاضر يتغير، ومستقبل نريد أن نشارك العالم في صناعته.

