إيران: بين التحديات الداخلية، الضغوط الخارجية وقيمة السيادة
بقلم: مادلينا تشيلانو
تُعدّ إيران واحدة من أكثر الدول تعقيدًا وأهمية استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. فبعد أكثر من أربعين عامًا على ثورة عام 1979 التي غيّرت بشكل جذري ملامح البلاد السياسية والاجتماعية، لا تزال إيران محط أنظار وتحليلات، وأحيانًا تدخلات من قوى إقليمية وعالمية.
ورغم الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن نظام العقوبات القاسي الذي تفرضه الولايات المتحدة وحلفاؤها، ورغم الاحتجاجات الدورية الناتجة عن مطالب داخلية مشروعة، فقد أظهرت البلاد حتى الآن تماسكًا ومقاومةً مدهشة. وقد دفع هذا العديد من المراقبين إلى التساؤل عن السبب وراء عدم انزلاق البلاد إلى حرب أهلية أو انهيار مؤسساتي، رغم كل تلك الضغوط.
تنظر شريحة من الرأي العام، خصوصًا في صفوف الجاليات الإيرانية في الخارج أو بين من عاشوا في فترة ما قبل الثورة، إلى عهد الملكية بنوع من الحنين، معتبرة أن بعض سماته كانت إيجابية. إلا أنه لا يمكن إنكار أن النظام الحالي، رغم تناقضاته، استطاع حماية استقلال البلاد في سياق دولي معادٍ بشدة.
في السنوات الأخيرة، كثّفت بعض القنوات الفضائية والمنصات الرقمية – وغالبًا ما تُدار من جهات خارجية، ولا سيما إسرائيلية – جهودها للتأثير على الرأي العام الإيراني، من خلال برامج ناطقة بالفارسية تجمع بين الترفيه والموسيقى والرسائل السياسية. وغالبًا ما تُخفي هذه المحتويات، التي تبدو ظاهريًا وكأنها تحيي التراث الثقافي، نوايا سياسية تهدف إلى الترويج لتغيير في النظام يتماشى مع مصالح غير إيرانية.
ومن بين الشخصيات التي برزت كرموز للمعارضة، يظهر رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير. ورغم أن البعض ينظر إليه كبديل محتمل، إلا أن الشعور السائد داخل إيران هو أنه قريب جدًا من القوى الغربية وإسرائيل، مما يفقده الشرعية في نظر غالبية السكان.
في موازاة ذلك، تضع التوترات الجيوسياسية مع إسرائيل، والصراع في غزة، والتحالف التكتيكي مع روسيا، طهران في موقف دقيق. فبالرغم من أن موسكو حليف حالي، إلا أن التاريخ يبيّن أن العلاقات الإيرانية-الروسية غالبًا ما اتسمت بالغموض وتضارب المصالح، خصوصًا فيما يتعلق بالوصول إلى الخليج الفارسي.
ويخشى بعض المحللين، في حال سقوط النظام الحالي، من سيناريو تفكك إيران إلى مناطق نفوذ خارجي – روسي، إسرائيلي، سعودي – وهو ما قد تُسهّله التنوعات العرقية واللغوية داخل البلاد. وهو سيناريو قد يُهدد بإلغاء قرون من التاريخ والوحدة الوطنية، ويفتح الباب أمام مستقبل مليء بالاضطراب.
في ظل هذا السياق، يبدو الشعب الإيراني منقسمًا، لكنه غير مستسلم. فالرغبة في التغيير تتعايش مع إصرار قوي على حماية السيادة والهوية الوطنية، التي تحققت بشق الأنفس وحُفظت رغم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة.
وأي تحول مستقبلي، إن حدث، لا يمكن أن يتم إلا من الداخل، دون فرض أو تدخل أو حسابات جيوسياسية خارجية. لقد أثبتت إيران قدرتها على الصمود، ويبقى أن نرى ما إذا كانت قادرة أيضًا على الإصلاح، مع الحفاظ على وفائها لذاتها.



