غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
يحمل التقرير عنوان: التاريخ في أتون الإبادة، ويتناول رصداً وتحليلاً لعمليات التدمير الممنهج التي طالت المعالم الأثرية والتاريخية في قطاع غزة، باعتبارها جزءاً من جريمة الإبادة الجماعية التي تواصلها قوات الاحتلال الإسرائيلي. ويأتي هذا التقرير ضمن الجهود التوثيقية الرامية إلى تسجيل جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في القطاع، بهدف حفظ الوقائع، وكشف الحقيقة أمام الرأي العام الدولي.
كما يستعرض التقرير السياسة الممنهجة التي انتهجتها قوات الاحتلال في استهداف الأعيان الثقافية، بوصفها ركائز للهوية التاريخية والحضارية للشعب الفلسطيني، ويوثق حجم الدمار الذي أصاب المعالم الأثرية تدميراً كلياً وجزئياً. ويرصد تعمد قوات الاحتلال محو الشواهد المادية على الوجود الثقافي والتاريخي الفلسطيني عبر مراحله المتعاقبة، من الكنعانية والرومانية والإسلامية والمسيحية، إضافة إلى بيان موقف القانوني الدولي من هذه الجرائم، وتوفير قاعدة بيانات تدعم مسارات المساءلة الدولية وجهود جبر الضرر.
ويعتمد التقرير على المنهج الوصفي التحليلي (كمياً وكيفياً)، لرصد أنماط التدمير الممنهج الذي طال المعالم الأثرية والتاريخية في قطاع غزة خلال الفترة من 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025م، وذلك بهدف تقديم قراءة إحصائية وتحليلية للانتهاكات في ضوء المواثيق الدولية ذات الصلة بحماية الممتلكات الثقافية وبيان آثارها على الهوية الثقافية والتراث الإنساني. واستند التقرير إلى مسح ميداني شامل عبر (226) استمارة توثيق خضعت للمراجعة والتحليل الإحصائي، وتنفيذ نحو (200) زيارة ميدانية للتحقق من الأضرار، إضافة إلى إجراء مقابلات مع خبراء ومسؤولين وجهات مختصة، بما يعزز دقة النتائج وموثوقيتها. كذلك اعتمد على المراجعة المكتبية للتقارير والدراسات والمراجع ذات الصلة بالتراث الفلسطيني والتراث العالمي، بهدف تعزيز الإطار النظري ودعم النتائج التحليلية.
خلص التقرير إلى مجموعة من النتائج، أبرزها أن استهداف المعالم الأثرية والتاريخية في قطاع غزة كان منهجياً ومقصوداً، لا عرضياً، إذ فقد القطاع نحو (71.5%) من تراثه الثقافي، مع تدمير (226) معلماً أثرياً وتاريخياً، منها (123) بشكل كلي. وتعرضت (78.4%) من المواقع لأضرار بفعل القصف الجوي والبري، فيما بلغت نسبة النسف المتعمد (11%) والتجريف (10.6%)، وشكّل القصف الجوي الأداة الرئيسة للتدمير بنسبة (68%)، تلاه التجريف بالجرافات العسكرية بنسبة (27%). وكانت محافظة غزة الأكثر تضرراً بنسبة (78%)، كما وقع (65) موقعاً أثرياً في نطاق جغرافي يُمنع دخول الفلسطينيين إليه ضمن ما يعرف باـلخط الأصفر الذي يقتطع ما يزيد على (60%) من مساحة القطاع.
كما يُظهر التقرير تعمد استهداف (40%) من المعالم المعروفة بشارات واضحة، وتوثيق (11) واقعة سرقة ونهب منظم لقطع أثرية نادرة من مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة. وطال الدمار مواقع تعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد وأقدم دور العبادة والبيوت الأثرية العثمانية، بما في ذلك (105) منازل تاريخية، ما أحدث فجوة عميقة في السردية التاريخية للمنطقة. وتؤكد هذه المعطيات أن تدمير الحجر اقترن باستهداف البشر، في سياق سياسة ترمي إلى محو الهوية والوجود التاريخي الفلسطيني.
وبناءً على تلك النتائج، يوصي التقرير بضرورة انهاء الاحتلال بشكل كامل للأراضي الفلسطينية وفقا للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يونيو من العام 2024، وبالوقف الكامل للعدوان المستمر والمتواصل الذي تشنه قوات الاحتلال، والعمل على إلزامها بوقف العمليات العسكرية فوراً، ورفع القيود والعقوبات الجماعية المنافية للقانون الدولي الإنساني، وإدخال المساعدات الإنسانية، والشروع الفوري في إعادة إعمار المساكن والمنشآت العامة والخاصة والبنية التحتية المتضررة وترميم المواقع الأثرية المدمرة. كما يدعو إلى تفعيل المساءلة الجنائية الدولية عبر حثّ مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية على إدراج تدمير التراث الثقافي كملف مستقل ضمن تحقيقات جرائم الحرب، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب تفعيل المسؤولية المدنية وإلزام دولة الاحتلال بتمويل إعادة الإعمار والترميم وفق المعايير الدولية.
كذلك يشدد التقرير على أهمية التدخل الفني العاجل من خلال إرسال بعثة مشتركة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) والمجلس العالمي للمعالم والمعالم الأثرية (إيكوموس)، لتقييم الأضرار ووضع خطة طوارئ لحماية ما تبقى من المعالم، والإشراف الهندسي المتخصص على إزالة الركام واستعادة العناصر المعمارية القابلة للترميم. ويوصي بإنشاء سجل وطني رقمي شامل للمفقودات الأثرية لملاحقتها دولياً، وإطلاق حملات إعلامية دولية لتعزيز الوجود الفلسطيني في مواجهة محاولات طمس التاريخ.

