78 عاماً من اللجوء: لماذا بقيت المخيمات الفلسطينية خارج مسار التنمية؟
وائل نعيم عبدالله
كاتب وباحث في القضايا الاجتماعية والتنموية وإدارة الأزمات
منذ عام 1948، لم يعد اللجوء الفلسطيني في لبنان حالة مؤقتة بالمعنى الذي صيغت عليه في بداية اللجوء. فمنذ أول خيمة إلى يومنا هذا، ولدت أجيال متعاقبة، وتحولت المخيمات تدريجياً إلى أحياء ومجتمعات ذات وزن سياسي واقتصادي فاعل، وعلاقات اجتماعية ودوائر أمنية معقدة، وحضور عسكري لافت، بالإضافة إلى تجمعات فلسطينية أخرى امتدت خارج حدود المخيمات الرسمية.
وخلال هذه العقود الطويلة والثقيلة على اللاجئ الفلسطيني بكل مقاييسها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، نشأت منظومة واسعة من المؤسسات والبرامج، بدءاً من وكالة الأونروا التي تمر بأزمة وجودية متصاعدة، مروراً بمؤسسات الدولة اللبنانية المحدودة الحضور والقدرة على التدخل، ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الحاضرة سياسياً لكنها محدودة التأثير في المسار التنموي، وصولاً إلى المنظمات الدولية والمحلية والمانحين، والعديد من المبادرات والمشاريع التنموية. بعضها انطلق من احتياجات الإنسان الفلسطيني، وبعضها الآخر كان خاضعاً لأجندات الممولين والمنفذين.
لكن، إذا كانت عقود من السياسات المتتالية، وعقود من المساعدات، وملايين الدولارات التي أنفقت، لم تنتج تنمية مستدامة ولم تعكس أثراً حقيقياً على الأمن الاجتماعي للاجئ الفلسطيني، سوى استمرار الحاجة إلى المزيد من المساعدات، فإن السؤال الصعب الذي لا يمكن تجاهله، حتى بعد أكثر من 78 سنة من اللجوء، هو: لماذا بقيت المخيمات الفلسطينية في لبنان خارج مسار التنمية؟ وهل من مستفيد؟
هل يمكن القول إن جميع الأطراف فشلوا أو أُفشلوا في مرحلة من المراحل، الأونروا، مؤسسات الدولة اللبنانية، منظمة التحرير الفلسطينية، الجمعيات والمبادرات المحلية وغيرها؟
هذا الطرح لا يبدو منطقياً إلى حد بعيد. والأقرب إلى الواقع أن هذه الأطراف عملت على إدارة الأزمات، لكنها توقفت عند مرحلة الانتقال من إدارة الأزمات وتقديم الاحتياجات إلى بناء قدرة المخيمات والتجمعات الفلسطينية على الاعتماد الذاتي، وتمكينها من إدارة شؤونها على النحو الأفضل اقتصادياً وأمنياً، بالحد الذي يمنع انهيارها بشكل متسارع كل فترة زمنية محددة.
فمن ارتفاع حالات البطالة والفقر والتهميش، إلى التوترات الأمنية التي تفضي في معظم الأحيان إلى نزاعات مسلحة وتنتهي غالباً بكارثة إنسانية، ظل التعامل مع الأزمات قائماً على احتوائها أكثر من معالجة أسبابها وبناء القدرة على منع تكرارها.
وربما تكون أولى المشكلات في طريقة النظر إلى القضية نفسها: هل نجحنا في الانتقال من مرحلة المخيم إلى مرحلة المجتمع المتكامل؟ وهل تمت هذه المرحلة أصلاً؟
وبحسب أحدث تحقق رقمي أجرته الأونروا حتى 30 يونيو/حزيران 2026، نُشر أن عدد الفلسطينيين الذين تم التحقق من وجودهم في لبنان بلغ 231515 شخصاً، بينهم 204420 لاجئاً فلسطينياً مسجلاً لدى الأونروا في لبنان. وفي المقابل، يظل عدد المسجلين في سجلات الوكالة، بعيداً عن التحقق الرقمي، أعلى بكثير، إذ بلغ وفق مصادر مطلعة 487869 شخصاً في التاريخ نفسه.
أما الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS)، فكان له رأي آخر، حيث أكد في إحصاء له نهاية عام 2024 أن عدد الفلسطينيين في لبنان بلغ 562519 شخصاً.
لكن الرقم الأكثر دلالة هو أن نحو 45% فقط من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون داخل المخيمات، مقابل 55% في التجمعات خارج المخيمات وفق الأونروا لعام 2025. كما أن أحدث مسح اجتماعي، أجري عام 2023، أظهر أن 26.7% من الأسر الفلسطينية لديها على الأقل مقيم واحد خارج لبنان.
وهنا تظهر مشكلة أخرى لا يمكن تجاوزها. فالتعداد الرسمي وغير الرسمي للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان كان وما زال يثير الجدل. وهذا يعني أن الحديث عن التنمية الفلسطينية في لبنان لا يمكن أن يقتصر على المخيمات الرسمية، لأن هناك مجتمعاً فلسطينياً قائماً فعلياً وموزعاً بين تجمعات وبلديات ومناطق مختلفة، ولكل منها ظروفها السكنية والخدماتية والقانونية.
وتظهر الجغرافيا مشكلة إضافية، إذ إن عدداً من التجمعات الفلسطينية يقع جغرافياً ضمن نطاق بلديات لبنانية، لكن البلديات لا تملك دائماً الموارد الكافية لتوفير الخدمات الأساسية، بينما لا تدخل هذه التجمعات ضمن نطاق الخدمات الحضرية الأساسية التي تقدمها الأونروا داخل حدود المخيمات الرسمية.
وقد حاول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بالتعاون مع شركاء محليين، معالجة هذه الفجوة من خلال مشاريع في البنية التحتية والخدمات، وشملت أيضاً سبل العيش. وهنا نفهم أن مشكلة اللاجئ الفلسطيني في لبنان تتجاوز قضايا البطالة والفقر، لتكون في وصفها الدقيق مشكلة توزيع للمسؤوليات، وخلافاً على المهام التنفيذية في ما يخص قضايا اللاجئ الفلسطيني.
الأونروا والمؤسسات الدولية والمحلية ومسؤولية الدولة اللبنانية… ضرورة إنسانية ملحة لكنها ليست مشروع تنمية وطنياً
في لبنان، يعتمد جزء كبير من المجتمع الفلسطيني على خدمات الأونروا. ويظهر مسح الأونروا الاجتماعي والاقتصادي لعام 2023 أن 70% من الأطفال الفلسطينيين الملتحقين بالتعليم كانوا يدرسون في مدارس الأونروا، مقابل 17% في التعليم الخاص و9.5% في المؤسسات الحكومية. كما أظهر المسح أن نحو ثلاثة من كل عشرة لاجئين فلسطينيين يعانون من مرض مزمن.
هذه الأرقام لا تقول لنا إن الأونروا هي المشكلة أو إن أي مؤسسة أخرى هي المشكلة، بل تقودنا إلى أمر آخر كان لا بد أن يعيه مجتمع لاجئي فلسطين، خاصة في حالتهم، وهو أن عمليات التمويل عرضة لضغوط دائمة ومتزايدة، ولسياسات متغيرة باستمرار.
وبهذا نعتقد أن العمل الإنساني ضروري لحماية الإنسان من المخاطر والسقوط، لكن التنمية تحتاج إلى مؤسسات واقتصاد وفرص وسياسات وقوانين قادرة على منع السقوط. وهذا ما لم ينعكس بصورة إيجابية على مجتمع لاجئي فلسطين في لبنان منذ عقود، والدليل أن الفقر في مجتمع لاجئي فلسطين في لبنان تحول إلى نتيجة بنيوية.
فقد أظهر مسح الأونروا الاجتماعي والاقتصادي لعام 2023 صورة شديدة الدلالة، حيث بلغت نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان 83% في بداية عام 2023، مقارنة بـ65% في المسح السابق لعام 2015. وبلغت المشاركة في قوة العمل 41%، بينما بلغت البطالة 32% مقابل 11% على المستوى الوطني، وفق بيانات الأونروا المقارنة التي اعتمدها المسح.
وإذا قلنا إن ثلث اللاجئين تقريباً منخرطون في سوق العمل اللبناني أو إن البطالة مرتفعة، قد نصل بسهولة إلى استنتاج خاطئ مفاده أن المشكلة تكمن في الفرد. لكن مفاهيم التنمية لا تقول ذلك. فهي لا تسأل فقط: هل يعمل الإنسان؟ بل تسأل أيضاً: أي عمل يعمل؟ وكم راتبه أو أجره؟ وهل هو مشمول بالحماية والضمان؟ وهل يستطيع اللاجئ الفلسطيني أن يبني مساراً مهنياً مستقراً؟ وهل يستطيع دخله أن يوفر له مدخرات أو يتحول إلى مشروع؟ وهل هناك سياسات تحميه؟
وهنا يصبح الفقر نتيجة لتفاعل عدة عوامل، وليس مجرد نقص في الرغبة بالعمل.
ومن هنا يصبح القانون جزءاً لا يتجزأ من الحالة الاقتصادية، وبالتالي لا يمكن فهم أي من النتائج السابقة إلا بأخذ الإطار القانوني للاجئ الفلسطيني في لبنان بعين الاعتبار.
صحيح أن لبنان الرسمي شهد تعديلات على القوانين منذ وجود اللاجئ الفلسطيني على أرضه، وفق التغيرات السياسية على مر الحكومات المتعاقبة. منها ما كان يفتح مجالات سوق العمل، ومنها ما كان يقفل جميع المسارات التي تمنح الفلسطيني حق العيش الآمن، وهذا ما حصل فعلاً.
ومن الخطأ أيضاً أن نعتقد أن الفلسطينيين في لبنان ممنوعون من العمل بشكل كلي.
إذاً، ما المشكلة؟
التوصيف الأصح للمشكلة هو أن سياسات ممنهجة اتبعها لبنان الرسمي جعلت الوضع القانوني للاجئ الفلسطيني غير مستقر. بمعنى أننا قد نعطيه حق العمل بالمطلق تنفيذاً أو ضمن مبادرة “وزارية”، لكن من دون تشريع واضح ينظم هذا الحق، فيبقى في هذه الحالة مقيداً بقيود تمنعه من ممارسة حق العمل بصورة مستقرة.
والأمر لم يتوقف عند هذا الحد من القيود في مجال العمل، بل وصلت الأمور إلى المنع من بعض المهن المنظمة، التي يذهب البعض إلى القول إن هذه المهن تمس الأمن القومي اللبناني.
ناهيك عن استمرار الإشكاليات المرتبطة بالملكية والحماية الاجتماعية وجزء كبير من الخدمات العامة.
وقد أوردت دراسة للأونروا عبارة في غاية الأهمية: “الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان مرتبط بصورة مباشرة بالاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي”. كما دعمت هذا الكلام بيانات المسوح المتعددة للمنظمات الإنسانية العاملة في المجتمع الفلسطيني، سواء المحلية منها أو الدولية، والتي تؤكد استمرار القيود في عدد من المهن وحق التملك والتوظيف العام.
وهذا ما جعلني أطرح سؤالاً مختلفاً في حقيقة الأمر: هل كان الهدف أن نجعل الإنسان الفلسطيني قادراً على بناء استقلاله الاقتصادي، أم أن الأمر كان فيه تعمد لإعطائه مساحة محدودة لبناء هذا الاستقلال الاقتصادي؟
ولنأخذ مثالاً واقعياً وطبيعياً حصل ويحصل داخل المجتمعات اللاجئة وغير اللاجئة. المنظمات الإنسانية أو مؤسسات الدولة قامت بدورات تدريبية مهنية عالية الجودة لمجموعة من الشباب، وبعد ذلك خرج هؤلاء الشباب إلى سوق العمل ليصطدموا بواقع أن سوق العمل مقيد ومرتبط بإشكاليات وعقبات قانونية، مع غياب الحماية الاجتماعية.
وبهذا يكون أثر التدريب المهني عالي الجودة محدوداً، وسيبقى كذلك طالما أن الإصلاح القانوني، الذي هو جزء من التنمية، لم يتم.
ورغم أن بعض المشرعين يعتبرون هذا الملف منفصلاً في حالة اللاجئ، فإن هذا برأيي اعتقاد خاطئ. كما أعتقد جازماً أن هذا الإصلاح في الجانب القانوني يحتاجه المواطن قبل اللاجئ.
وهنا نصل إلى سؤال آخر: هل غابت التنمية بتفاصيلها الدقيقة بشكل فعلي عن المجتمع الفلسطيني اللاجئ؟
تصبح الإجابة عن هذا السؤال بالنفي القطعي إجابة غير عادلة، لأن التنمية ليست مرتبطة بمجال أو قطاع أو تحسين جانب محدد. التنمية هي السكن والبنية التحتية، بالإضافة إلى الاقتصاد المحلي والمشاركة المجتمعية، وفي إطار من الترابط وإعادة بناء النسيج الاجتماعي.
إذاً، السؤال الملح الآن هو: كيف نحول المشاريع الاستثنائية إلى سياسة مستدامة؟
هنا تكمن تفاصيل التنمية.
فإذا فهمنا أن التنمية فعلياً موجودة، لكنها ليست مستدامة، لأنها غالباً تأتي على شكل مشاريع متفرقة وفق إدارة الاحتياجات أو مرحلة مختصرة جداً من إدارة الأزمات، عندها تظهر فجوة حقيقية، بل فجوات، توضح أن المشكلة ليست غياب المشاريع، بل غياب التراكم الذي يحول المشاريع إلى منظومة.
وحتى عندما يحدث ذلك، غالباً ما يصعب تحويل هذه المشاريع إلى منظومة مكتملة الأركان لأسباب عدة، منها القوانين السائدة في البلد، وسوء إدارة وفهم استراتيجيات إدارة الأزمات ومراحل التعافي، وقد يكون الفساد أيضاً سبباً من هذه الأسباب.
إلى أن نصل إلى النقطة المهمة، والتي هي أساس وليست جانباً جزئياً، ألا وهي أنه عندما يطرح مشروع لمخيم ما أو لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين، تبدأ حالة من الصراع بين تقاسم المسؤولية في العمل على المشروع إدارياً وفنياً من جهة، وصراع تحمل نتائج تنفيذ المشروع من جهة ثانية.
وبشكل أكثر وضوحاً، يتقاسم الجميع المسؤولية، ويتنصل الجميع من النتيجة.
وهذا الحال يجعلنا نصل إلى عقدة أكثر أهمية في القضية كلها: من المسؤول عن التنمية داخل المخيم؟
الجميع يصرخ أنا.
ليس هكذا تكون المسؤوليات وتدار الأزمات.
ولنوضح التالي للقراء الكرام:
أولاً: الدولة اللبنانية
تملك السيادة والمسؤولية العامة عن الإطار القانوني والخدمات والمؤسسات. إذاً، فمن يملك قرار إخراج المخيم من دائرة الانتظار؟
أي أن واقع المخيم منذ إنشائه، وليس المقصود جغرافياً بل قانونياً، هو داخل الدولة اللبنانية. فلماذا إذاً بقيت التنمية خارجه؟
ثانياً: منظمة التحرير الفلسطينية / السلطة الوطنية الفلسطينية
هي الممثل السياسي المركزي والإطار الوطني الفلسطيني. وكانت وما زالت منظمة التحرير الفلسطينية تاريخياً جزءاً أساسياً في إدارة وتمثيل المخيمات. فلماذا لم يتحول هذا الدور السياسي والتاريخي إلى مسار تنموي مستدام؟
ثالثاً: الأونروا والمنظمات الإنسانية الدولية والمحلية والمانحون
يوفرون التعليم والصحة والإغاثة والتشغيل والبنية التحتية وتحسين العيش داخل المخيمات.
فلماذا كل هذه الأموال الطائلة التي صرفت لعقود من الزمن لم تستطع إخراج اللاجئ الفلسطيني من حالة العوز والاعتماد على الخدمات إلى مسار تنموي مستدام؟
رابعاً: الفصائل والقوى واللجان الفلسطينية
تدير أجزاءً من الواقع الفلسطيني داخل المخيمات. وصحيح أنها لا تملك مفاتيح التغيير الفعلي، لكن لماذا بقيت ضمن إطار العمل من دون تحقيق مسار التنمية المستدامة؟
خامساً: البلديات
مسؤولة عن نطاقها المحلي، على الرغم من محدودية الاختصاص والموارد، لكن ما الذي يمنع أن يقع المخيم داخل نطاقها بالكامل، وألا يقتصر الأمر على الحالة الجغرافية؟
سادساً: المجتمع المحلي
هو أصيل في أدواره، إذاً، لماذا كل هذه السنوات يأخذ المجتمع المحلي دور المشارك دون إحداث تغيير يفضي إلى امتلاك أدوات صناعة الحلول وتنفيذها؟
أي أن المجتمع المحلي حاضر في المبادرات وغائب عن امتلاك أدوات التغيير.
وهكذا يصبح لدينا عدد كبير من الفاعلين، لكن، آسفاً، لا يوجد بالضرورة فاعل واحد يتحمل مسؤولية النتيجة التنموية النهائية.
وهل علينا، نتيجة لذلك، أن نعيد طرح السؤال من جديد: ليس من سيقدم الخدمات، بل من يتحمل مسؤولية بناء القدرة على الاستمرار والصمود؟
نتيجة للأحداث والتغيرات الحاصلة دولياً وإقليمياً منذ السابع من أكتوبر 2023، هل بدأت محاولة حل العقدة في 2026؟
هنا أصبحت قضية المخيمات الفلسطينية تكتسب بعداً جديداً.
ففي فبراير/شباط 2026، تسلم رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام من لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني “الورقة الأولية للخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان”.
وبحسب ما أُعلن، فإن المسار المقترح يقوم على نقاش تشاركي يضم الإدارات الرسمية والأجهزة الأمنية اللبنانية ومؤسسات المجتمع المدني اللبناني والفلسطيني والأونروا والجهات الدولية، تمهيداً لاستكمال المشاورات وصولاً إلى إقرار الخطة من الدولة.
لكن وفق مصادر مطلعة وما نشر عن هذه “الورقة”، نتوقف مطولاً ونقول: علينا الحذر.
لأن هذه الورقة ليست خطة نهائية نافذة، بل ورقة أولية ومسار تشاوري، ما زال باعتقادي، بحاجة ضرورية إلى نقاش أوسع ومطور ليشمل كل مكون فلسطيني داخل المخيمات، وألا تكون هناك مقاربات أمنية كالسابق في حل أي ملف من الملفات الفلسطينية، وإلا سندخل في دوامة نحن في غنى عنها ولن تفضي إلا إلى ويلات جديدة تثقل كاهل اللاجئ الفلسطيني.
وفي موضوع التنمية المستدامة، علينا أن نأخذ هذه “الورقة” على أنها فرصة لتحديد المسؤوليات في إطار واضح، وألا نكرر الخطأ نفسه بصورة جديدة.
أي أن حوكمة الملف الفلسطيني في لبنان بلا تنمية ليست كافية، بل هي انزلاق تعلم جميع الأطراف مدى خطورته.
لأنه إذا كان دور الحوكمة في هذه “الورقة” في أغلبه مجرد تنظيم أمني أو إداري للمخيم، فمن الطبيعي أن الدولة لن تجيب عن الأسئلة المشروعة للاجئ:
كيف أعيش؟
كيف أعمل؟
كيف أتعلم؟
كيف أحصل على فرصة جديدة؟
كيف أواجه أزماتي؟
وحينما تصبح الدولة قادرة على الإجابة عن هذه التساؤلات المشروعة، نستطيع أن نقول إننا انتقلنا من إدارة المخيم إلى بناء القدرة، كنموذج يتجاوز مفاهيم المسؤوليات والإدارة إلى مسؤولية التحقق.
وفي هذا المجال، أقترح أن تقوم الرؤية التنموية على خمس حلقات مترابطة: الإغاثة الشاملة، والتعافي، وبناء القدرة، والتنمية المحلية التي تأخذ أساساً الجانب الاقتصادي، والحلقة الخامسة الحوكمة والصمود، وأن تكون بقدرة فاعلة على مواجهة التحديات ميدانياً، والقدرة على مواجهة الأزمات في حال تعاقبها.
التنمية ليست توطيناً
ربما نطرح الأسئلة الأكثر حساسية: هل الحديث عن التنمية في المخيمات الفلسطينية يعني توطيناً والتخلي عن حق العودة؟
بالقطع لا.
لأن التنمية التي نتحدث عنها في ما سبق وسيأتي لاحقاً لا تعني إسقاط حق العودة، ولا تفرض التوطين، ولا تحويل الملف الفلسطيني في وضعه الحالي إلى تسوية سياسية.
بل تعني أمراً أكثر بساطة وأكثر إنسانية، العيش بكرامة.
لأن الكرامة والقدرة على الصمود جزء أصيل من حماية الإنسان وحقوقه، لا بديلاً عنها.
إذاً، ما الذي يجب أن يتغير في 2026؟
هل الحديث عن خطط جديدة هو الذي يجب أن يتغير؟
بالطبع لا.
إنما نحتاج إلى انتقال فعلي في طريقة التفكير لدينا، من وضع المشاريع المنفصلة إلى استراتيجية تنمية متكاملة، ثم إلى آليات تمويل أكثر استقراراً للمشاريع الأساسية، ومن إدارة كل مخيم بمعزل عن محيطه إلى رؤية تنموية تربط المخيم أو التجمع بالبلدية والمدينة والاقتصاد المحلي، مع الأخذ بالاعتبار أن الفلسطيني كلاجئ شريك أساسي في التصميم والتنفيذ والتقييم، وليس كحالة مستفيدة فقط.
“وبعد مرور أكثر من 78 عاماً”…
لم يعد السؤال المطروح: من يساعد وكيف سنساعد؟
بل أصبح السؤال: لماذا لم نستطع تحويل كل ما أنفقناه وكل ما تعلمناه وكل ما بنيناه إلى قدرة مستدامة على الصمود والتنمية؟
نعم، أهم ما تعلمناه من عقود اللجوء الفلسطيني في لبنان أن المساعدة وحدها لا تكفي.
لكن هذا لا يعني أن المساعدة كانت خطأ، بل على العكس، فقد شكلت المساعدات في مراحل كثيرة خط الدفاع الأول عن حياة وكرامة مئات الآلاف من اللاجئين.
لكن ما غفل عنه البعض أن خط الدفاع الأول لا يمكن أن يصبح إلى الأبد خطة تنمية، ويمكن أن يتداعى في أي لحظة في ظل وجود الأزمات المتتالية على المخيمات أمنياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
وبشكل خاص، هذا الأخير، الاقتصاد، لأن التنمية تحتاجه، ثم يحتاج الاقتصاد إلى قوانين وتشريعات تراعي حالة اللجوء الفلسطيني الاستثنائية.
نعم، اليوم تقف المخيمات والتجمعات الفلسطينية أمام لحظة استثنائية في تاريخها: أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة لم تنته، واحتياجات إنسانية متجددة، وضغوط مالية وسياسية تتعرض لها الأونروا أكثر وأصعب مما مضى، والتغيير الإقليمي والدولي الحالي الذي يعيد طرح قضية من أبرز المخاوف الفلسطينية، وهي قضية “السلاح الفلسطيني في لبنان”، والتي أعتبرها نهاية المطاف.
ولا أقول إن ما طرحته من الحلقات الخمس سابقاً خطة تستطيع وحدها حل المشكلة، ولا إن مسألة “ورقة الحوكمة” أو أي طرح آخر يستطيع وحده حل مشكلة عمرها أكثر من 78 عاماً.
بل إن إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمخيمات والأونروا والمؤسسات الفلسطينية والمانحين والمجتمع المحلي، ومع الإطار الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية / السلطة الفلسطينية، يمكن أن تفتح الباب أمام نموذج مختلف في الإدارة والتنفيذ والتنظيم وإعادة التقييم والمساءلة.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي طال تأجيله:
هل نريد أن تستمر المخيمات في إدارة احتياجاتها من أزمة إلى أخرى، أم نريد أخيراً بناء نموذج يجعلها قادرة على إدارة مستقبلها؟
لحين العودة.
وإذا كانت كل الأطراف المعنية في هذه القضية تملك جزءاً من المسؤولية، فمن يملك اليوم القدرة والشجاعة على جمع هذه الأجزاء في مشروع تنموي واحد؟
دون العودة إلى الصفر.
78 عاماً من اللجوء: لماذا بقيت المخيمات الفلسطينية خارج مسار التنمية؟
