غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
قد يكون من السهل على أي دولة أن تعدّ عناصر أمنها، وأجهزتها، وموازناتها، وحواجزها ومقارها، لكن الاختبار الأصعب للأمن يبدأ بسؤال أكثر بساطة فهل يستطيع المواطن أن يطعم أسرته؟ هل يستطيع الذهاب إلى عمله والعودة منه؟ هل يضمن راتبه؟ وهل يستطيع أن يضع ماله في البنك ويشتري الوقود والدواء من دون أن يتحول كل احتياج يومي إلى معركة؟
فالأمن في مفهومه الحديث ليس حماية السلطة فقط، بل حماية الإنسان من الخوف والجوع والعوز.
وفي فلسطين، بعد خمس سنوات امتدت من جائحة كورونا إلى حرب غزة والإغلاق ومنع العمال وأزمة المقاصة والشيكل والوقود، يبدو أن هذا النوع من الأمن هو أكثر ما فقده الفلسطيني.
في عام 2020، وفي ذروة كورونا، أظهر مسح رسمي أن 29.7% من الأسر الفلسطينية قالت إنها بالكاد تستطيع الصمود مالياً، فيما كانت أجور القطاع الخاص المصدر الرئيسي لدخل 30.4% من الأسر، والوظيفة الحكومية لـ20.9%، والعمل في السوق الإسرائيلية لـ12.8%. كانت تلك أزمة يفترض أن تكون استثنائية. لكن الاستثناء تحول لاحقاً إلى نمط حياة.
وقبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023 كان العمل نفسه بمثابة شبكة الحماية الأساسية. كان أكثر من 177 ألف فلسطيني من الضفة يعملون في إسرائيل، وكان متوسط الأجر اليومي للعامل هناك أكثر من ضعف متوسطه في السوق الفلسطينية. بعد الحرب أُغلق هذا الباب تقريباً؛ انخفض العدد إلى نحو 24 ألفاً، ولم يتجاوز أكثر من 50 ألفاً في أواخر 2025، فيما بقيت البطالة في الضفة قرب 30% في مطلع 2026. أي أن عشرات آلاف الأسر فقدت في ضربة واحدة أهم مصدر نقدي كان يحميها من الفقر.
حين لا يعود الفقر وصفا كافيا
الأرقام اليوم لم تعد تتحدث عن تراجع في الرفاه، بل عن تراجع في القدرة على الحياة. الجهاز المركزي للإحصاء يقول إن الاستهلاك خلال 2025 انخفض 24% فلسطينياً مقارنة بعام 2023 (12% في الضفة و81% في غزة). وبرنامج الأغذية العالمي يقدّر أن نحو 900 ألف شخص في الضفة يعانون انعدام الأمن الغذائي، وأن أسرة من كل ثلاث تقريباً لا تستطيع تحمّل كلفة غذاء صحي. وفي غزة، ما يزال نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة ثلثي السكان، في مستويات أزمة غذائية حادة أو أسوأ.
هذه ليست كارثة طبيعية بلا فاعل. فالمسؤولية الأولى تقع على الاحتلال الإسرائيلي فالحرب دمّرت غزة وسبل عيش سكانها، ومنع واسع للعمال، وحواجز وإغلاقات تقطع المدن والأسواق، وعنف مستوطنين يطال الأرض والمزارع ومصادر الرزق، واحتجاز لأموال المقاصة، وتحويل العلاقة المصرفية نفسها إلى أداة ضغط. وقد وثقت الأمم المتحدة 925 عائق حركة في الضفة أواخر 2025، بزيادة 43% على المتوسط التاريخي، فيما سجلت في الأشهر السبعة الأولى من 2026 أكثر من 1,380 حادثة مرتبطة بالمستوطنين أثرت في أكثر من 250 تجمعاً فلسطينياً. لكن تحميل إسرائيل المسؤولية لا يمنح بقية الأطراف براءة تلقائية.
واشنطن تملك النفوذ.. فلماذا يبقى الفلسطيني بلا حماية؟
الولايات المتحدة ليست من يغلق حاجزاً في نابلس أو يصادر أرضاً في الخليل، لكنها الطرف الدولي صاحب أكبر قدرة فعلية على التأثير في إسرائيل. وهي ملتزمة بموجب مذكرة المساعدات العسكرية الحالية بنحو 3.8 مليار دولار سنوياً لإسرائيل، إلى جانب مساعدات إضافية أقرها الكونغرس منذ حرب غزة قدرت بالمليارات. بل إن واشنطن نفسها حذرت سابقاً من أن تسييس العلاقة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية سيصيب «الفلسطينيين العاديين» أولاً.
لذلك لا يكفي أن يمول العالم أكياس الطحين بعدما تضيع الوظيفة والأرض والدخل. المساعدات الإنسانية مهمة، لكنها لا تستطيع أن تصبح بديلاً عن منع السياسات التي تصنع المحتاجين إليها. وحين تمتلك دولة نفوذاً بهذا الحجم ثم تعجز أو لا ترغب في استخدامه لمنع خنق اقتصاد شعب كامل، فإن مسؤوليتها تصبح سياسية، لا إنسانية فقط.
17 مليار دولار.. ولكن من سيدفع؟
قبل يومين قال نائب الرئيس حسين الشيخ إن ديون السلطة وصلت إلى نحو 17 مليار دولار، مقابل نحو 7 مليارات دولار من الأموال الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل.
الرقم خطير، لكنه يفتح سؤالاً أخطر فما مكونات هذه الـــــــــــ17 ملياراً؟
يقدّر البنك الدولي في تقريره الصادر في 19 أيار/مايو 2026، أن إجمالي الدين العام المباشر للسلطة الفلسطينية بنهاية عام 2025 بنحو 4.8 مليار دولار، منها نحو 3.3 مليار دولار ديوناً للمصارف المحلية. لكن هذا ليس كامل ما ترتب في ذمة الحكومة؛ إذ يضيف البنك الدولي نحو 2.85 مليار دولار من المتأخرات المستحقة لموظفي القطاع العام، و1.82 مليار دولار للقطاع الخاص.
وبجمع الدين المباشر والمتأخرات المعروفة، نصل إلى نحو 9.47 مليار دولار من الالتزامات الموثقة.
لكن نائب الرئيس حسين الشيخ أعلن أن ديون السلطة والتزاماتها وصلت إلى نحو 17 مليار دولار. وهنا يظهر فارق يقترب من 7.5 مليارات دولار لا يفسره رقم الدين العام والمتأخرات التي أوردها البنك الدولي وحدها.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود تناقض؛ فقد يكون الشيخ يستخدم تعريفاً أوسع للالتزامات المالية من تعريف «الدين العام» المحاسبي. لكنه يجعل السؤال واجباً: ممَّ تتكون السبعة عشر مليار دولار؟ ومن هم الدائنون؟ وكم منها ديون مصرفية، وكم متأخرات للموظفين والقطاع الخاص، وكم التزامات لصناديق أو مؤسسات أخرى؟
حين يصل الرقم إلى ما يقارب حجم اقتصاد وطني كامل، لا يكفي الإعلان عن الإجمالي. من حق المواطن، الذي يدفع ثمن الأزمة من راتبه ودخله واستهلاكه، أن يعرف كشف الحساب كاملاً.
لأن الدين الحكومي في النهاية ليس رقماً في دفتر وزارة المالية. عندما لا تسدد الحكومة للمستشفى، يتضرر المريض؛ وعندما لا تسدد للمورد، يتعثر التاجر؛ وعندما لا تدفع الراتب كاملاً، تتوقف الأسرة عن الشراء؛ وعندما تخفض التحويلات الاجتماعية، يسقط الفقير من آخر شبكة حماية.
والبنك الدولي يقول إن رواتب الموظفين دُفعت خلال 2025 بنسب تراوحت بين 50 و70%، وإن برامج المساعدات الاجتماعية نفسها جرى تقليصها. بل إن برنامج التحويلات النقدية الرئيسي يعمل حالياً في الضفة بتغطية لا تصل إلى ربع الأشخاص المقدّر أنهم يعيشون في فقر مدقع، بينما توقف في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
البنك بخير.. ولكن ماذا عن صاحبه؟
ثم جاءت أزمة الشيكل لتكشف مفارقة أشد غرابة فهناك مليارات الشواكل نقداً، موزعة بين الثلث في البنوك تقريبا والثلثين بين أيدي المواطنين لكن المواطن والتاجر قد لا يستطيعان إيداعها.
بالأمس جربنا محاولة لإيداع 10 آلاف شيكل في حساب شبكة معا قي أحد البنوك فوجئنا بأن سقفنا المسموح به شهريا 400 شيكل فقط رغم ان الشبكة لم تودع في حساباتها منذ 20 عاما مبلغ يصل الى 10 آلاف شيكل ورغم محاولة موظفي البنك مساعدتنا بطلب استثناء جلسنا في البنك 3 ساعات ننتظر الموافقة او الرفض ولكن لم تأتي.
وفي محاولة أخرى ولبنك آخر ارسلنا أحد الموظفين لإيداع قيمة ترخيص سيارته في بنك آخر بقيمة 700 شيكل عبر الصراف الالي ففشلت المهمة (قد يكون خطأ تقني). واما المحاولة الثالثة فكانت لصراف الي آخر من طالب لابن أحد موظفينا بقيمة 200 شيكل وأيضا فشلت.
وعندما كنا بصدد توقيع اتفاقية تجارية سنوية مع إحدى الشركات الوطنية بقيمة 7500 شيكل شهريا مقابل شكات شهرية صدمن بأن صاحب الشركة يلغي الاتفاقية لعدم وجود 12 شك في حوزته وصعوبة إيداع المبلغ في البنك.
سلطة النقد تقول إن أصل الأزمة إسرائيلي، بسبب القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل إلى إسرائيل، وإنها وجهت البنوك إلى زيادة قدرتها على استقبال النقد. وهذا صحيح في جوهر المشكلة.
لكن الحقيقة الأخرى أن التجار ومحطات الوقود وحتى المواطنين واجهوا فعلياً سقوفاً وقيوداً على الإيداع، بينما كان المطلوب في الوقت ذاته أن نتحول للدفع الالكتروني وحماية البنوك من مخاطر السيولة والعلاقة المصرفية المراسلة… فكيف يغذي هذا المواطن حسابه ليدفع عبر التطبيقات.
حماية القطاع المصرفي ضرورة وطنية؛ انهياره كارثة على الجميع. لكن حماية البنك لا يجوز أن تتحول إلى ترك صاحب المحطة أو التاجر أو الموظف وحيداً يدفع كلفة إنقاذه.
والبنك الدولي يقدّر انكشاف المصارف المباشر وغير المباشر على القطاع العام بنحو 5.3 مليار دولار، أي حوالي 42% من إجمالي الائتمان المصرفي. معنى ذلك أن أزمة الحكومة والبنوك والمواطن لم تعد ثلاث أزمات منفصلة؛ إنها أصبحت أزمة واحدة، وأضعف حلقاتها هو المواطن.
حتى الوقود أصبح دَيْناً
والأغرب أن دورة المحروقات نفسها تحولت إلى أداة تمويل. تكشف قوائم مالية مصرفية أن الهيئة العامة للبترول حصلت في 2025 على تمويلات مرابحة بقيمة 90 مليون شيكل بضمان شيكات تجارية من محطات الوقود. وفي الوقت نفسه كانت المحطات تشكو من عشرات ملايين الشواكل المستحقة لها على الحكومة، ومن صعوبة إيداع الأموال النقدية التي تجمعها من المواطنين.
أي أن المواطن يدفع ثمن الوقود نقداً، والمحطة تقدم شيكات، والبنك يمول الهيئة بضمان تلك الشيكات، والحكومة المثقلة بالديون تحاول إبقاء الدورة مستمرة، بينما تستطيع إسرائيل تعطيل الشيكل الإلكتروني والمقاصة والعلاقة المصرفية التي تقوم عليها الدورة كلها. هذه ليست إدارة طبيعية لاقتصاد. إنها إدارة يومية لمنع الانهيار.
والآن.. الانتخابات
وفي المقابلة نفسها التي كشف فيها رقم الـ17 مليار دولار، أكد حسين الشيخ أن الانتخابات التشريعية ستجرى في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، وقال إن المطلوب هو «الصمود» خلال الأشهر المقبلة.
لكن من المطلوب منه أن يصمد؟
العامل الذي فقد عمله؟ الموظف الذي ينتظر جزءاً من راتبه؟ المزارع الذي يخشى الوصول إلى أرضه؟ صاحب المحطة الذي يحمل النقد ولا يستطيع إيداعه؟ الأسرة التي خفضت استهلاكها؟ أم البنك الذي تحاول كل المؤسسات حماية ميزانيته؟
الانتخابات ليست منفصلة عن كل ذلك. الصندوق ليس مجرد اختيار قائمة سياسية؛ إنه امتحان لعقد كامل بين المواطن والدولة. ومن يريد من الناس أن يحموا النظام السياسي بصوتهم، عليه أولاً أن يثبت أن النظام السياسي قادر على حماية حياتهم وكرامتهم.
فالأمن الحقيقي لا يبدأ من عدد البنادق ولا من حجم الأجهزة ولا من البيانات السياسية. يبدأ عندما يخرج الأب صباحاً وهو يعرف أن لديه عملاً، وتعرف الأم أن الطعام سيبقى على المائدة، ويعرف الموظف أن راتبه حق لا منحة، ويعرف التاجر أن البنك سيستقبل ماله، ويعرف المزارع أنه يستطيع الوصول إلى أرضه، ويعرف المواطن أن دولته- مهما كانت محاصرة ومحتلة وضعيفة الإمكانات- لن تختار عند توزيع الخسائر أن يكون هو دائماً من يدفع الفاتورة.
إسرائيل مسؤولة عن الخنق والاحتلال والحرب والمقاصة والحواجز والاستيطان. والمجتمع الدولي مسؤول حين يكتفي بإدارة الكارثة بدل وقف أسبابها. والولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أكبر بقدر ما تملك من نفوذ ولا تستخدمه لحماية الفلسطيني من نتائج السياسات التي تحذر هي نفسها منها.
أما السلطة الفلسطينية، فليست مطالبة بأن تفعل المستحيل أو أن تحل وحدها ما صنعه الاحتلال. لكنها مطالبة بأمر يمكنها فعله: ألا تجعل المواطن الحلقة الأسهل في سلسلة الخسائر، وألا تحمي المؤسسة وتترك الإنسان، وألا تطلب الصمود من الجائع قبل أن تقول له كيف ستحمي خبزه وماله وكرامته.
فحين يفقد الإنسان أمنه الشخصي ويشعر بخوف دائم من الاحتلال والمستوطنين وأمنه الغذائي وخطر الجوع معاً، لا تعود الأزمة أزمة موازنة تصبح أزمة دولة.

