تارانتو 2026.. سوريا تستعيد مكانها في المتوسط
✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي
حين تستضيف مدينة تارانتو الإيطالية الدورة العشرين لألعاب البحر المتوسط، بين 21 أغسطس و3 سبتمبر 2026، فإنها لا تستضيف مجرد منافسات رياضية تجمع آلاف الرياضيين، بل تستعيد فكرة أعمق: أن البحر الذي يفصل ضفتيه جغرافيًا يمكن أن يتحول إلى مساحة للقاء والتواصل والتعاون. وفي هذا المشهد، تحضر سوريا بصورة تحمل دلالات تتجاوز حدود الرياضة.
تشارك سوريا في دورة تارانتو بوفد يضم 28 رياضيًا ورياضية في ثماني رياضات، في مشاركتها التاسعة عشرة في تاريخ ألعاب البحر المتوسط. وبحسب البيانات السورية الرسمية، شارك 1131 رياضيًا سوريًا في دورات الألعاب عبر تاريخها، وحققت سوريا 229 ميدالية، بينها 57 ذهبية و66 فضية و106 برونزيات.
لكن الحكاية السورية مع هذه الألعاب أقدم بكثير من تارانتو. فقد كانت سوريا حاضرة منذ الدورة الأولى في الإسكندرية عام 1951، قبل أن تستضيف بنفسها الدورة العاشرة في مدينة اللاذقية عام 1987. وكانت تلك المرة الأولى التي تستضيف فيها سوريا ألعاب البحر المتوسط، بمشاركة 18 دولة ونحو ألفي رياضي في 19 رياضة، بين 11 و25 سبتمبر من ذلك العام.
كانت استضافة اللاذقية في ذلك الوقت أكثر من حدث رياضي؛ فقد شكلت تعبيرًا عن موقع سوريا داخل الفضاء المتوسطي. وارتبطت الألعاب بإقامة منشآت رياضية كبرى، أبرزها المدينة الرياضية في اللاذقية، التي أصبحت جزءًا من إرث تلك الدورة.
ومن اللاذقية إلى تارانتو، تمتد مسافة زمنية تقارب أربعة عقود، لكن الفكرة الأساسية تبقى واحدة: الرياضة تستطيع أن تفتح أبوابًا قد تعجز السياسة أحيانًا عن فتحها. ففي الملاعب لا تتقدم الدول بحدودها أو خلافاتها، وإنما بقدرة أبنائها على المنافسة والالتزام بالقواعد واحترام الآخر.
وتكتسب المشاركة السورية في تارانتو أهمية إضافية لأنها تأتي ضمن دورة تجمع 26 دولة متوسطية وآلاف الرياضيين، وتعيد التأكيد على أن سوريا جزء أصيل من الجغرافيا الإنسانية والثقافية للبحر المتوسط.
لذلك، فإن وجود الرياضيين السوريين في إيطاليا ليس مجرد حضور في جدول المنافسات. إنه صورة لسوريا وهي تعود إلى فضائها المتوسطي من بوابة الشباب والرياضة، وتلتقي مجددًا مع دول الجوار الأوروبي والعربي في مساحة واحدة.
ومن هنا تصبح تارانتو امتدادًا للاذقية، لا في الجغرافيا، وإنما في المعنى: المتوسط ليس بحرًا يفصل الشعوب، بل تاريخ مشترك يمكن أن يتحول مرة أخرى إلى جسر. وإذا كانت الرياضة قادرة على جمع السوري والإيطالي والمصري واللبناني والتونسي والمغربي وغيرهم في ساحات المنافسة، فإن الثقافة والاقتصاد والحوار قادرة أيضًا على بناء جسور أوسع وأبقى.
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تحملها المشاركة السورية في تارانتو 2026: أن العودة إلى المتوسط لا تبدأ دائمًا من السياسة، بل قد تبدأ من ملعب، ومن شاب يحمل علم بلاده، ومن منافسة تنتهي بالمصافحة.
