بقلم / سليم الهندي
في ذكرى رحيل محمود درويش، لا نستعيد شاعراً غاب، بقدر ما نستعيد وطناً ظل حاضراً في كلماته، وذاكرةً فلسطينيةً حملها معه من مكان إلى آخر، حتى أصبحت قصائده جزءاً من وجدان شعبٍ يبحث عن حريته، وعن حقه في الحياة، وعن وطنٍ لا يكون فيه الإنسان غريباً عن أرضه.
رحل محمود درويش في التاسع من أغسطس عام 2008، لكن رحيله لم يكن نهاية الحكاية. فبعض الشعراء لا يموتون حين تتوقف قلوبهم، لأنهم يتركون خلفهم كلماتٍ قادرة على أن تعيش أكثر من أصحابها. ودرويش واحد من أولئك الذين تحولوا من شاعر إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى جزء من هوية شعب.
كان درويش يعرف أن فلسطين ليست مجرد جغرافيا، وأن الوطن لا يُختصر في حدودٍ أو خرائط. فلسطين عنده كانت الإنسان، والبيت، والأم، والخبز، والزيتونة، والبحر، والحنين، واللغة، وكل التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان يقول: هنا أنا، وهنا جذوري.
ولهذا بقي شعره قريباً من الفلسطيني العادي، من اللاجئ الذي يحمل مفتاح بيته، ومن الأم التي تنتظر ابنها، ومن الشاب الذي يبحث عن مستقبل لا يشبه الخوف، ومن الطفل الذي يريد أن يعيش طفولته بعيداُ عن صوت الحرب.
غزة التي عاشت الحرب والموت والدمار، والتي فقدت البيوت والشوارع والمدارس والأحلام، ما زالت تبحث عن معنى الحياة وسط الركام. وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح درويش حاضراً لا كشاعر للموت، وإنما كشاعر للحياة.
فدرويش لم يكن يريد للفلسطيني أن يبقى أسير صورة الضحية. كان يريد له أن يكون إنسانًا كاملًا، يحب ويكتب ويحلم ويختلف ويصنع مستقبله. كان يرى أن مقاومة الاحتلال ليست فقط في مواجهة القتل والاقتلاع، بل أيضاً في التمسك بالحياة، وفي الإصرار على أن يكون للإنسان الفلسطيني حق في الفرح، والتعليم، والحب، والحرية، والكرامة.
ولعل أكثر ما نحتاجه اليوم هو أن نفهم درويش خارج إطار الشعارات.
نحتاج أن نقرأه كإنسان فلسطيني حمل أسئلته وشكوكه وتناقضاته، ولم يحوّل الوطن إلى فكرة جامدة. كان الوطن بالنسبة إليه سؤالًا دائمًا: كيف يمكن أن نحمي الأرض دون أن نخسر الإنسان؟ وكيف يمكن أن نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى عداوة؟ وكيف يمكن أن نحلم بالحرية دون أن نصبح أسرى للكراهية؟
فلسطين التي أنهكتها الحروب والانقسام والاحتلال، تحتاج إلى شاعر مثل درويش يذكّرنا بأن الوطن ليس راية نرفعها فقط، ولا خطاباً سياسياً نردده، ولا قضية نختلف حولها في المنابر.

