غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
قبل الحرب كانت حياة المواطن “أشرف شابط”، ابن حي التفاح شرق مدينة غزة عنوانا للاستقرار والعمل الدؤوب.. امتلك منزلين ومصنعا ومعرضا للملابس وقضى سنوات طويلة محترفا في تصميم وخياطة مختلف أنواع الألبسة بدءا من البدل الرجالية والرسمية للأطفال وصولا إلى الملابس الداخلية والحقائب موفرا بذلك فرص عمل لعدد من العمال الذين يعيلون أسرهم.
خلال سنوات إغلاق المعابر السابقة أظهر أشرف مرونة مهنية عالية إذ اضطر لتغيير طبيعة إنتاجه ليتخصص في صناعة الملابس الداخلية تعويضا لنقص البضائع في الأسواق قبل أن يعود مجددا لإنتاج البدل الرسمية وتوزيعها على معارض القطاع مع إعادة فتح المعابر.. لكن هذه المسيرة الإنتاجية توقفت بوحشية مع اندلاع الحرب.
لم تتح الحرب لأشرف وقتا لالتقاط أنفاسه فبعد أربعة أيام فقط من بدايتها أجبر على مغادرة منزله نازحا إلى منطقة تل الهوى حيث مكث قرب مستشفى القدس قرابة اثني عشر يوما. ومن هناك واصل طريقه برفقة عائلته إلى منزل عمته في مخيم المغازي وسط قطاع غزة مجهلا ما تخبئه له الأقدار.
وهناك وقع المحظور تعرض منزل العمة لقصف مفاجئ ومروع كان يضم نحو خمسة وتسعين نازحا وأسفرت المجزرة عن استشهاد خمسة وتسعين وإصابة العشرات.
يستعيد أشرف تلك اللحظات القاسية قائلا “إنه نجا بمعجزة رفقة ابنه بعد أن تواجدا في الطابق الأرضي بينما كانت زوجته وبناته في الطابق الأول. وأسفر الانفجار الهائل عن إصابة ابنته ذات الأحد عشر ربيعا بحروق بالغة استدعت تدخلا جراحيا وعلاجا متواصلا استمر ثمانية أشهر ولا تزال حتى اليوم بحاجة ماسة لسفر عاجل خارج قطاع غزة لإجراء عمليات تجميلية ضرورية”.
بعد خروجه من المستشفى استقر أشرف مع ما تبقي من أسرته في خيمة للنزوح، وعقد العزم على قهر الظروف والبدء من جديد. خلال الهدنة الأولى اشترى آلة خياطة لكنها لم تسلم من الدمار إذ تعرضت لأضرار بالغة خلال موجة نزوح جديدة إثر قصف استهدف منزلا مجاورا وتطايرت أجزاؤها داخل الشقق.
بصبر وعزيمة نادرين جمع أشرف أجزاء ماكينته ونقلها من حي التفاح إلى دير البلح وأصلحها على نفقته الخاصة ليعاود إحياء حرفته.
إلا أن العودة إلى الإنتاج اصطدمت بواقع مرير فتكاليف الإنتاج تضاعفت بشكل غير مسبوق في ظل شح شبه تام في المواد الخام وقطع الغيار.
يوضح أشرف بحسرة أن بكرة الخيط التي كان يقتنيها قبيل الحرب بأقل من شيكلين قفز نمرها اليوم لتصل إلى نحو سبعين شيكلا فضلا عن ندرة الإبر والأقمشة وارتفاع أسعارها لأضعاف مضاعفة.
ولأن ما يتوفر من أقمشة لم يعد صالحا لما اعتاد إنتاجه اضطر أشرف للجوء إلى حلول مبتكرة كإعادة تدوير “الستائر” لصناعة الحقائب.
ويضاف إلى ذلك تحدي انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع تكلفة تشغيل الماكينات جنبا إلى جنب مع الانهيار التام في القدرة الشرائية للمواطنين مما يجعل استمرار عجلة العمل مغامرة بالغة الصعوبة.
ولم تقتصر خسائر أشرف على مصدر رزقه وتاريخه المهني بل امتدت لتطال دماء عائلته.. ففي مجزرة منزل عمته فقد نخبة من أقاربه بينهم عمه وزوجته وأبناء شقيقته وزوجة ابن عمه في حين نجت أسرته بأعجوبة بعد أن ألقت قوة الانفجار بأشرف وابنه إلى خارج جدران المنزل.
ورغم قسوة الجراح وفداحة الخسائر يرفض أشرف أن يفقد كرامته أو أن يتحول إلى متلق للمساعدات الإنسانية.
ويؤكد أشرف أنه لم يفكر يوما في طريق الهجرة على الرغم من تعدد الفرص التي أتيحت له في عدة دول قبل اندلاع الحرب.
ويختتم حديثه برسالة واضحة وموجعة “كل ما نتمناه هو أن تستقر الأوضاع في قطاع غزة وأن تفتح المعابر وتتوفر بيئة حقيقية تتيح للناس العودة إلى أعمالهم وبناء حياتهم من جديد”.
وتابع “نحن لا نطلب رواتب ولا امتيازات بل نريد فرصة حقيقية للعمل والعيش بكرامة بعدما خلفت هذه الحرب مجتمعا مثقلا بالخسائر والجراح”.

