الطريق إلى طهران… معركة تفكيك المحور وتغيير قواعد الصراع ….
✍🏻 وائل المولى – كاتب وصحافي
لم تعد المواجهة في الشرق الأوسط تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو حجم الضربات العسكرية التي تُنفذ، بل أصبحت تُقاس بقدرة كل طرف على تغيير البيئة الاستراتيجية التي تحيط بخصمه. فالحروب الحديثة لا تبدأ دائماً من ساحات المعارك المباشرة، بل قد تبدأ من تفكيك مصادر القوة، وعزل الحلفاء، وتجفيف أوراق النفوذ قبل الوصول إلى المواجهة الكبرى.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن المواجهة مع إيران لم تبدأ عندما وصلت الضربات إلى أراضيها، بل بدأت قبل ذلك بكثير، عبر استهداف المنظومة الإقليمية التي بنتها طهران خلال أكثر من أربعة عقود، والتي اعتمدت على شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في عدد من ساحات المنطقة.
فإيران لم تبنِ نفوذها على قوتها العسكرية الداخلية فقط، بل على قدرتها على إدارة صراعات متعددة الجبهات من خلال حلفاء يمتدون من العراق إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، إضافة إلى القوى الفلسطينية التي شكلت جزءاً من معادلة الصراع مع إسرائيل. ولذلك فإن إضعاف هذه الشبكة يعني، وفق هذه القراءة، تقليص قدرة طهران على الردع وحرمانها من العمق الذي جعل أي مواجهة مباشرة معها محفوفة بتكاليف كبيرة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تحولات عميقة أثرت على هذه المنظومة. فقد فقدت إيران أحد أهم حلفائها الاستراتيجيين بعد سقوط نظام الأسد في سوريا وظهور سلطة جديدة ذات توجهات مختلفة عن طهران. كما تعرض حزب الله في لبنان لضربات عسكرية كبيرة أضعفت قدراته، فيما تعرضت القوى الحليفة لإيران في غزة والضفة الغربية لضغوط متزايدة، إضافة إلى تصاعد المواجهات مع الفصائل المسلحة في العراق واليمن.
وفق هذه القراءة، فإن الهدف الأمريكي والإسرائيلي لا يقتصر على إسقاط النظام الإيراني فحسب ولا ضرب مواقع نووية وعسكرية محددة، بل يتجه نحو إعادة تشكيل البيئة المحيطة بإيران، بحيث تجد نفسها أمام مواجهة أكثر صعوبة، بعد فقدان جزء كبير من شبكة الدعم التي شكلت لسنوات طويلة عنصر قوة أساسي في استراتيجيتها الإقليمية.
لكن السيناريو الأكثر خطورة يكمن في احتمال أن تتحول عملية تفكيك النفوذ إلى حالة واسعة من الفوضى الإقليمية. فهناك من يرى أن إضعاف القوى المناوئة لإسرائيل قد لا يتحقق فقط عبر الضربات العسكرية، بل أيضاً عبر استنزاف الخصوم في صراعات داخلية وانقسامات سياسية ومذهبية تجعلهم أقل قدرة على التنسيق والعمل المشترك. وفي هذا السياق، تصبح الفوضى ليست هدفاً معلناً، لكنها قد تتحول إلى نتيجة يستفيد منها بعض اللاعبين في إعادة ترتيب موازين القوة.
في المقابل، تدرك إيران وحلفاؤها خطورة هذا المسار، ولذلك يبدو أنهم يحاولون نقل كلفة المواجهة إلى الطرف الآخر عبر توسيع ساحات الردع. فاستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، والتهديد باستخدام أوراق بحرية استراتيجية مثل مضيق هرمز، وباب المندب وإظهار القدرة على التأثير في أمن الطاقة والتجارة العالمية، كلها رسائل تهدف إلى التأكيد أن أي محاولة لعزل إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها.
وهنا تتحول المعركة إلى صراع إرادات: واشنطن وتل أبيب تسعيان، وفق هذه القراءة، إلى إضعاف المحيط الاستراتيجي لإيران قبل تجديد المواجهة المباشرة معها، بينما تحاول طهران منع تحقيق ذلك عبر إبقاء ساحات متعددة مفتوحة وفتح ساحات جديدة ورفع كلفة التصعيد .
إن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد فقط: هل ستندلع مواجهة جديدة مع إيران؟ بل: هل يجري بالفعل تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط تمهيداً لنظام إقليمي مختلف؟
فالمنطقة لا تشهد مجرد جولة جديدة من الصراع، بل مرحلة إعادة تشكيل عميقة قد تحدد مستقبل التحالفات والنفوذ لعقود مقبلة. وبين مشروع يسعى إلى تفكيك المحور قبل الوصول إلى طهران، ومشروع يحاول منع انهياره عبر توسيع دائرة الردع، يبقى الشرق الأوسط أمام أخطر اختبار منذ عقود، حيث لا تُرسم خرائط القوة فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في الفراغات التي تتركها الحروب بعد انتهائها.

