غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
وسط واقع أنهكته الحرب “الإسرائيلية” المجنونة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعود أصوات الفرح إلى شوارع غزة المدمرة وخيامها مع إعلان نتائج الثانوية العامة، فتعلو الزغاريد وتُوزّع التهاني، بينما تختلط فرحة النجاح بدموع الفقد، في مشهد تختصر فيه نتائج الطلبة حكاية قطاع حاولت الحرب أن تنتزع منه كل أسباب الحياة. ورغم خروقات الاحتلال المستمرة، وما خلّفته الحرب من دمار ونزوح، عاش طلبة غزة عامًا دراسيًا استثنائيًا بين الخيام ومراكز الإيواء، واجهوا خلاله ظروفًا قاسية من الجوع والخوف، فيما فقد كثير منهم آباءهم وأمهاتهم وأفرادًا من عائلاتهم، وتحوّلت مدارسهم إلى ركام. وبين كل هذه التحديات، تمسّك الطلبة بحقهم في التعليم، وانتظروا لحظة إعلان النتائج التي حملت معها قصصًا من الصمود والنجاح.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم، أمس الجمعة، نتائج امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) في قطاع غزة، لتكشف عن قصص نجاح وُلدت من قلب المعاناة، بعدما خاض الطلبة عامًا دراسيًا هو الأصعب في حياتهم.
وأظهرت بيانات وزارة التربية والتعليم حجم الكارثة التي لحقت بالقطاع التعليمي، إذ تقدم لامتحانات الثانوية العامة نحو 36,900 طالب وطالبة رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، فيما استشهد أكثر من ألف طالب وطالبة كانوا من المفترض أن يتقدموا للامتحانات هذا العام. وامتدت آثار الحرب إلى البنية التحتية التعليمية، حيث توقفت المسيرة التعليمية بالكامل بعد تعرض نحو 90% من مباني المدارس في قطاع غزة للتدمير أو الأضرار، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على العملية التعليمية ومسيرة آلاف الطلبة.
لكن إعلان نتائج الثانوية العامة أعاد إلى غزة لحظة من الفرح، بعدما نجح طلبتها في الوصول إلى هذه المحطة رغم كل ما مروا به، ليحمل بعضهم شهادات النجاح إلى جانب قصص فقد لا تزال حاضرة في تفاصيل حياتهم. ومن بين النماذج التي تصدرت مشهد التفوق، الطالبة خديجة رائد سعد، ابنة قائد ركن التصنيع العسكري في كتائب القسام الشهيد رائد سعد، التي حصدت معدل 98% في الفرع العلمي، بعد أشهر من استشهاد والدها،
وفي ظل ما عاشته غزة من حرب ونزوح وتجويع. كما حققت الطالبة أسماء محمد الشعراوي، ابنة الشهيد محمد الشعراوي، معدل 93.6% في الثانوية العامة، في إنجاز حمل معه فرحة ممزوجة بمرارة الفقد،
فيما تفوقت الطالبة بلسم وائل الزرد، ابنة الداعية الشهيد وائل الزرد، بمعدل 91%، رغم فقدان والدها وإخوانها خلال الحرب وما رافق ذلك من نزوح وتجويع. كما و حققت الطالبة هناء إيهاب الغصين، ابنة وكيل وزارة العمل في غزة المهندس الشهيد إيهاب الغصين، معدل 98.6% في الفرع العلمي، رغم فقدان والدها ووالدتها خلال الحرب، لتتوج نجاحها وفاءً لوعد قطعته لهما قبل استشهادهما. أما الطالبة مايا شيخ العيد، فقد حصلت على معدل 91% في الثانوية العامة، بعدما فقدت والدها ووالدتها خلال الحرب وعاشت ظروف صعبة، فيما جاءت نتيجتها في اليوم الذي صادف الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد والدتها في ما عُرف بـ”مصائد الموت”، أثناء محاولتها جلب الطعام لأبنائها بعد فقدان والدهم.
وفي مشهد آخر تختلط فيه الفرحة بالحزن، جاء اسم الطالب الشهيد يحيى أدهم نسمان ضمن قوائم المتفوقين، بعدما حصد معدل 96.6% في الثانوية العامة، فيما ظهرت نتيجته بعد أيام من استشهاده في قصف إسرائيلي استهدف منزله في حي النصر بمدينة غزة. واستشهد مع يحيى والده القيادي في كتائب القسام أدهم نسمان “أبو راتب”، ووالدته وشقيقه إبراهيم وشقيقته أروى، فيما نجا فرد واحد فقط من الأسرة. ورغم أن الحرب سرقت من طلبة غزة مدارسهم وأحباءهم وبيوتهم، فإنها لم تكسر عزيمتهم، لتتحول نتائج الثانوية العامة هذا العام إلى شاهد جديد على صمود أبناء قطاع غزة وتمسكهم بمستقبلهم رغم كل الظروف.

