غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
تواصل أزمة الوقود في الضفة الغربية إلقاء بظلالها على مختلف القطاعات، بعدما تجاوزت مشكلة نقص المحروقات حدود محطات الوقود لتتحول إلى أزمة اقتصادية ومعيشية أثرت على حركة النقل، وأعمال المواطنين، والحياة اليومية، في ظل الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، واستمرار “إسرائيل” في احتجاز أموال المقاصة، إلى جانب أزمة السيولة النقدية.
وأكدت وزارة المالية الفلسطينية والهيئة العامة للبترول، في بيان صدر في ساعة متأخرة من ليل الاثنين، أن توريد المحروقات إلى السوق الفلسطينية ما يزال مستمرًا بشكل يومي، مشيرتين إلى أن الأزمة الحالية نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها المخاوف من تجدد التصعيد الإقليمي، واستمرار العراقيل التي يفرضها الجانب “الإسرائيلي” على تحويل فائض عملة الشيكل المتراكم في المصارف الفلسطينية إلى البنوك “الإسرائيلية”.
ودعت الجهتان المواطنين إلى عدم التهافت على محطات الوقود، والامتناع عن تعبئة الوقود في الغالونات بغرض التخزين، حفاظًا على استقرار التوزيع وضمان وصول الكميات المتوفرة إلى أكبر عدد ممكن من المستهلكين. وفي الميدان، انعكست الأزمة بشكل مباشر على قطاع النقل، حيث توقفت أعداد من المركبات العمومية عن العمل بسبب عدم توفر الوقود، فيما اضطر مواطنون إلى التخلي عن استخدام سياراتهم الخاصة والاعتماد على وسائل النقل العام، وسط ارتفاع تكاليف التنقل واستمرار صرف رواتب الموظفين الحكوميين بشكل منقوص وغير منتظم.
ويرى أمين سر نقابة أصحاب محطات المحروقات في الضفة الغربية، خالد السراحنة، أن احتجاز “إسرائيل” أموال المقاصة يمثل السبب الرئيسي للأزمة، باعتبارها المصدر الأساسي لتمويل مشتريات الوقود عبر وزارة المالية وهيئة البترول، مؤكدًا أن اضطرابات سلاسل التوريد العالمية تبقى عاملًا ثانويًا مقارنة بالأزمة المالية الداخلية.
وأوضح السراحنة أن الشائعات وحالة الإقبال الكبيرة على شراء الوقود أسهمتا في تسريع نفاد الكميات المتوفرة، ما دفع عددًا من محطات الوقود إلى تقنين عمليات البيع لضمان استمرار التوزيع، مشيرًا إلى أن بعض الحالات الإنسانية فقط سُمح لها بتعبئة الوقود في الغالونات رغم مخالفة ذلك لتعليمات السلامة.
وأضاف أن ديون هيئة البترول الفلسطينية المستحقة للشركات “الإسرائيلية” الموردة للمحروقات بلغت نحو ثلاثة مليارات شيكل، الأمر الذي يدفع تلك الشركات إلى اقتطاع جزء من المدفوعات لسداد الديون السابقة، وهو ما يقلص حجم الكميات التي تصل إلى السوق الفلسطينية. وتفاقمت الأزمة أيضًا مع استمرار مشكلة فائض الشيكل في المصارف الفلسطينية، بعد رفض البنوك “الإسرائيلية” استقبال الفائض النقدي، ما حدّ من قدرة محطات الوقود على إيداع الأموال اللازمة لشراء شحنات جديدة من المحروقات.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي واصف أبو عكر أن الأزمة ترتبط أيضًا ببروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، والذي جعل السوق الفلسطينية تعتمد بصورة شبه كاملة على “إسرائيل” في استيراد الوقود، ما جعل أي توتر سياسي أو مالي ينعكس مباشرة على إمدادات الطاقة في الضفة الغربية. وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع استيراد الوقود مباشرة من الأردن أو مصر، في ظل القيود المفروضة على قطاع الطاقة، فيما تتولى هيئة البترول شراء المحروقات من الشركات “الإسرائيلية” وإعادة توزيعها في السوق المحلية.
بدوره، أوضح الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن الأزمة لم تكن ناجمة عن انخفاض الإمدادات فقط، وإنما أيضًا عن غياب إدارة فعالة للطلب، لافتًا إلى أن كميات الوقود الواردة إلى الضفة تراجعت بنحو الثلث مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، بينما أدى التهافت على التخزين إلى استنزاف الكميات المتوفرة خلال فترة قصيرة.
وتُعد هذه الأزمة امتدادًا لأزمات مماثلة شهدتها الضفة الغربية خلال أعوام 2012 و2015 و2022، والتي كشفت هشاشة منظومة الوقود الفلسطينية، وغياب مخزون استراتيجي، واستمرار ارتهان قطاع الطاقة للمورد “الإسرائيلي”، بما يجعله عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية مع كل أزمة جديدة.

