غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
كشفت الأمم المتحدة عن تسجيل أعلى مستوى من الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة منذ ثلاثة عقود، مؤكدة أن قوات “إسرائيل” جاءت في صدارة الجهات المسؤولة عن تلك الانتهاكات خلال عام 2025، بعدما وثق التقرير الأممي آلاف الانتهاكات بحق الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة.
وجاء ذلك خلال جلسة مفتوحة عقدها مجلس الأمن الدولي في نيويورك، قدمت خلالها وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة الخاصة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة فانيسا فريزر التقرير السنوي للأمين العام بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة.
وقالت فريزر إن المجتمع الدولي لم يعد قادراً على الادعاء بعدم معرفته بحجم المآسي والانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال في مناطق الحروب والصراعات، بعد عقود طويلة من التقارير والتحذيرات والبيانات الأممية التي وثقت هذه الجرائم.
وأضافت أن استمرار العجز الدولي عن وقف تلك الانتهاكات رغم وضوح الصورة يعكس حقيقة أكثر خطورة، مفادها أن التقاعس عن اتخاذ إجراءات فاعلة لم يعد نتيجة الجهل أو نقص المعلومات، بل بات خياراً سياسياً متعمداً. وأكدت المسؤولة الأممية أن تقرير هذا العام وثق أكثر من 38 ألف انتهاك جسيم ضد الأطفال حول العالم خلال عام 2025، مشيرة إلى أن أكثر من ربع هذه الانتهاكات ارتُكب بحق أطفال فلسطينيين على يد قوات “إسرائيل” في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب التقرير، سجلت “إسرائيل” وحدها 12 ألفاً و445 انتهاكاً جسيماً ضد أكثر من خمسة آلاف طفل فلسطيني خلال العام الماضي، فيما لا يزال نحو خمسة آلاف انتهاك إضافي قيد التحقق والتدقيق من قبل الأمم المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن هذه الحصيلة جعلت “إسرائيل” تتصدر قائمة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال خلال عام 2025، متقدمة على جميع الدول والجهات الأخرى المدرجة في التقرير.
كما أوضح التقرير أن نسخة هذا العام سجلت أعلى عدد من الانتهاكات منذ بدء الأمم المتحدة توثيق الجرائم المرتكبة بحق الأطفال في النزاعات المسلحة قبل ثلاثين عاماً، بالتزامن مع إنشاء آلية الرصد التابعة لمكتب الأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة. وللمرة الأولى منذ بدء إصدار هذه التقارير، حمّل التقرير الجيوش النظامية والقوات الحكومية المسؤولية الأكبر عن الانتهاكات المسجلة، متجاوزة بذلك الجماعات المسلحة غير الحكومية التي كانت تتصدر القوائم في الأعوام السابقة.
وفي هذا الإطار، أُدرجت قوات الأمن “الإسرائيلية” للعام الثاني على التوالي على ما يُعرف إعلامياً بـ”قائمة العار” التابعة للأمم المتحدة، والتي تضم الجهات المسؤولة عن ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأطفال في النزاعات المسلحة. وبعد فلسطين، جاءت جمهورية الكونغو الديمقراطية في المرتبة الثانية من حيث عدد الانتهاكات، حيث وثق التقرير 4114 انتهاكاً جسيماً بحق 3263 طفلاً، تلتها نيجيريا بـ2560 انتهاكاً ضد 1342 طفلاً، ثم ميانمار بـ2203 انتهاكات بحق 1746 طفلاً، والصومال بـ2195 انتهاكاً ضد 1703 أطفال، والسودان بـ1889 انتهاكاً ضد 1681 طفلاً.
كما شملت قائمة القوات الحكومية المدرجة في التقرير كلاً من روسيا والكونغو وسورية في عهد النظام المخلوع وميانمار والسودان وجنوب السودان، إضافة إلى الجيش وقوات الشرطة في الصومال، بينما ضمت بقية القائمة جماعات مسلحة غير حكومية.
وفي تعليقها على نتائج التقرير، شددت فريزر على أن الأطفال لا يمكن اعتبارهم ضحايا جانبيين للحروب أو أوراق ضغط ومساومة، مؤكدة أن ما يجري في العديد من النزاعات يظهر أن حياة الأطفال تُستهدف وتُضحى بها سعياً وراء مكاسب عسكرية أو سياسية أو اقتصادية.
وقالت إن هذا الواقع غير مقبول، محذرة من التحول الخطير الذي كشفه تقرير هذا العام والمتمثل في تصدر القوات الحكومية قائمة الجهات المنتهكة لحقوق الأطفال.
وأعربت عن قلقها من أن القوات الحكومية أصبحت للمرة الأولى الجهة الرئيسية المسؤولة عن قتل الأطفال وتشويههم واستهداف المدارس والمستشفيات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وأضافت أن هذا التحول لا يمكن التعامل معه باعتباره تطوراً عابراً، بل يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وانهياراً في مسؤولية الدول عن حماية المدنيين والأطفال.
وأكدت أن الأجيال القادمة ستحاكم المجتمع الدولي على هذا الفشل في حماية الأطفال وصون حقوقهم الأساسية. وأوضح التقرير أن أكثر الانتهاكات شيوعاً خلال عام 2025 تمثلت في القتل والتشويه، حيث طالت 14 ألفاً و224 طفلاً، من بينهم 6266 طفلاً قتلوا و7958 طفلاً أصيبوا بتشوهات وإعاقات نتيجة أعمال العنف. كما وثق التقرير 8322 حالة حرمان للأطفال من الوصول إلى المساعدات الإنسانية، إضافة إلى تجنيد 6607 أطفال في النزاعات المسلحة، واختطاف 5129 طفلاً،
فيما تعرض 1783 طفلاً للاغتصاب أو لأشكال أخرى من العنف الجنسي. وسجل التقرير كذلك تعرض 3176 طفلاً لأكثر من انتهاك جسيم في الوقت ذاته، بينما شكلت الفتيات نحو ثلث إجمالي الضحايا.
وأشارت فريزر إلى أن الاستخدام المتزايد للغارات الجوية والطائرات المسيّرة والأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان كان من أبرز أسباب ارتفاع أعداد الضحايا الأطفال، فضلاً عن التدمير الواسع الذي طال البنية التحتية المدنية.
كما لفتت إلى تصاعد حالات منع وصول المساعدات الإنسانية واستهداف العاملين في المجال الإنساني، محذرة في الوقت نفسه من مخاطر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة في ظل غياب الرقابة البشرية الكافية، وما قد يترتب على ذلك من زيادة في أعداد الضحايا وتعقيد جهود المساءلة القانونية.
من جهتها، أكدت المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) كاثرين راسل أن الأرقام الواردة في التقرير لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، نظراً لأن الأمم المتحدة تعتمد فقط الحالات التي تم التحقق منها رسمياً. وأضافت أن كثيراً من الجرائم والانتهاكات لا يتم الإبلاغ عنها بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة أو خوف الضحايا والشهود من الانتقام.
وأعربت راسل عن قلقها من أن القوات الحكومية أو الجهات المرتبطة بها باتت مسؤولة عن عدد من الانتهاكات يفوق ما ترتكبه الجماعات المسلحة غير الحكومية، وهو تطور وصفته بالمقلق للغاية. وأشارت إلى أن نحو 70% من حالات القتل والإصابة التي وثقها التقرير كانت نتيجة استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المكتظة بالسكان، مؤكدة أن آثار هذه الأسلحة لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى تدمير المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء ومقومات الحياة الأساسية.
كما أكدت تسجيل أكثر من ثمانية آلاف انتهاك متعلق بمنع أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية خلال العام الماضي، في مؤشر على اتساع نطاق المعاناة التي يتعرض لها الأطفال في مناطق النزاعات حول العالم

