حول الاتفاقيات الابراهيمية
بقلم ؛ صائب قبيعو
الاتفاقيات الإبراهيمية (المعروفة أيضاً باسم اتفاقيات أبراهام) هي مجموعة من معاهدات السلام والتطبيع التي وُقعت بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية الولايات المتحدة في النصف الأخير من عام 2020. سُميت بهذا الاسم نسبة إلى نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، لترمز إلى الأخوة والاشتراك في الجذور التاريخية المشتركة للديانات السماوية حسب زعمهم
وهنا لابد من توضيح مسألة هامة
نعم ان العرب واليهود أولاد عمومة فعلا وينحدرون من نسل ابراهيم عليه السلام، فالعرب ينحدرون من نسل إسماعيل، واليهود من نسل يعقوب (ابني ابراهيم).. اما إبراهيم نفسه فيعود الى سام بن نوح (الذي تفرعت منه جميع الشعوب السامية كالعربية والعبرية والآشورية والأثيوبية والفينيقية..)!
ولابد هنا من الإشارة الى حقيقة مهمة وهي ان يهود اليوم ينقسمون الى فرعين رئيسيين، الأول سامي شرقي كانوا يعيشون في الدول العربية والأندلس، والثاني آري أوروبي اعتنقوا الديانة اليهودية في عهد متأخر.. الفرع الأول يدعى سفارديم وهم ساميون شرقيون يعودون لنسل ابراهيم عليه السلام، والثاني أشكنازيم من روسيا وأوروبا ولايمتون لإبراهيم أو للعرق السامي بصلة!!
فحتى القرن التاسع للهجرة لم يكن يوجد غير اليهود الساميين الذين ينحدرون من النبي يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم (ويدعونه إسرائيل). ثم فجأة ظهرت اعداد كبيرة من اليهود الآريين في جنوب روسيا وشرق أوروبا يتحدثون لغة تركية قديمة.
وفي البداية ظن يهود المشرق ان الظهور المفاجئ لليهود الجدد في الشمال سببه ظهور القبائل اليهودية التي تاهت قبل 3000عام ولكن الحقيقة هي ان ملك الخرز “بولان” قرر اتخاذ ديانة رسمية لمملكته القوية (وموطنها القوفاز حالياً) فاستدعى مندوبين عن اليهودية والمسيحية والإسلام ليتناظروا أمامه.. وبعد أن استمع اليهم لثلاثة أيام اختار الديانة اليهودية وأجبر كامل شعبه على التحول إليها.
وهكذا زاد عدد اليهود فجأة في جنوب روسيا والقوقاز- وإن كانوا لايمتون للساميين بصلة-. واستمرت مملكة الخرز (أو أتراك الشرق كما دعاهم العرب) حتى قضى عليها الروس في نهاية القرن الميلادي العاشر. حينها تشتت يهود الخرز وانتقلوا الى روسيا وأوروبا ثم هاجر قسم منهم الى أمريكا وكندا والارجنتين- وهؤلاء هم اليوم أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي في الغرب
وفي المقابل بقي يهود المشرق (الساميون) في مناطقهم القديمة في العراق واليمن والمغرب والأندلس.
وفي البداية لم يعترفوا بيهود أوروبا الجدد لأن اليهودي (في عرف اليهود المحافظين) هو من ولد لأم يهودية فقط.
غير ان السطوة الاقتصادية والإعلامية ليهود الغرب (ونجاحهم في تأسيس دولة إسرائيل) اجبر اليهود الساميين على الانضواء تحت جناحهم والهجرة اليهم في فلسطين.. (*) وكما هو معروف مازال اليهود الى اليوم ينقسمون الى (أشكنازيم أوروبيين) يتولون معظم المناصب المهمة، و(سفارديم ساميين) لم يحظوا بذات المناصب والفرص
كيف بدأت الاتفاقيات
بدأت الاتفاقيات الإبراهيمية رسمياً في 15 سبتمبر/أيلول 2020 عندما وقعت كل من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين اتفاقيات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في البيت الأبيض برعاية الولايات المتحدة الأمريكية
اما بشكل فعلي بدأت في 13 أغسطس/آب 2020، عندما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات في بيان مشترك عن توصلهم إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بالكامل
دخلت الإمارات في مفاوضات لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وأعلن في 13 أغسطس/آب 2020 عن توصل الطرفين إلى اتفاق بهذا الشأن، وبعد أقل من شهر وتحديدا (11 سبتمبر/أيلول 2020) أعلن عن اتفاق تطبيع آخر مع البحرين التي انضمت إلى ممثلي الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة للتوقيع.
وتم توقيع اتفاقيات أبراهام يوم 15 سبتمبر/أيلول 2020 في البيت الأبيض، بين كل من الإمارات والبحرين وإسرائيل، بوساطة أميركية.
وسبقت هذا الاتفاق عدة خطوات أبرزها اللقاء الذي جرى في أوغندا بداية فبراير/شباط 2020 بين كل من رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي أُعلن بعده أن الجانبين اتفقا على تطبيع العلاقات.
ولاحقا في 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، رعت الولايات المتحدة أيضا اتفاق تطبيع بين المغرب وإسرائيل، تزامن مع اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ووعد منها ببيع أسلحة وتنفيذ استثمارات ضخمة.
العلاقة بين اتفاقيات ابراهام والحرب الامريكية الايرانية
اثناء الحرب الامريكية الإيرانية وفي فترة اشتدادها وعوضا عن التركيز على التركيز على وقف إطلاق النار أو معالجة تداعيات الحرب أو احتواء الأزمة النووية الإيرانية، طرح “ترامب” رؤية أوسع تدعو السعودية وقطر ومصر والأردن وتركيا وباكستان إلى الانضمام إلى الاتفاقيات التي رعاها خلال ولايته الأولى، والأكثر إثارة للجدل أنه ألمح إلى إمكانية انضمام “إيران” نفسها مستقبلًا إلى هذا المسار. في تصريح له على موقع سوشيال يقول أن انضمام إيران إلى “اتفاقيات أبراهام” يمكن أن يتحول إلى “اتفاق تاريخي”.
هذه المبادرة أثارت موجة واسعة من التساؤلات حول دوافعها الحقيقية وإمكانية تنفيذها، في تاريخها الحديث، وفي وقت تتسع فيه الفجوة السياسية بين إسرائيل وجيرانها العرب أكثر من أي وقت مضى.
في 23 ايار 2026، أُجريت مكالمة جماعية بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وقادة السعودية والإمارات وقطر والبحرين ومصر والأردن وتركيا وباكستان، حيث أبلغهم “ترامب” أنه إذا نجحت الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب مع “إيران”، فإنه يرغب في أن توقع دولهم اتفاقات سلام أو تطبيع مع إسرائيل ضمن إطار “اتفاقيات أبراهام”، وذلك بحسب ما أورد موقع “أكسيوس الأمريكي”.
في ذلك الوقت نشر رامب رسالة على منصة “سوشيال اعرب عن اعتقاده بأن الدول التي شاركت في تلك المحادثة ينبغي أن تنضم بصورة متزامنة إلى “اتفاقيات أبراهام”، ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب أبعد من ذلك عندما ألمح إلى أن إيران نفسها قد تصبح جزءًا من هذا الترتيب في حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي.
بل وذهب الى ابعد من ذلك عندما هدد وخاصة السعودية اذ قال
اذا رفضت السعودية ودول أخرى الانضمام الى اتفاقيات إبراهيم ربما لن نوقع اتفاق مع ايران
وفي منشور له يقول
اطلب من جميع الدول التوقيع فورا على اتفاقيات إبراهيم واذا وقعت ايران اتفاقها معي بصفتي رئيسا للولايات المتحدة فسيكون من دواعي سروري ان تكون هذه الدول أيضا جزءا من هذا التحالف الدولي الذي لامثيل له
تعكس هذه التصريحات محاولة واضحة لإحياء رؤية ترامب القديمة للشرق الأوسط، والتي تقوم على توسيع دائرة التطبيع وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة عبر شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والأمنية، إلا أن هذه الرؤية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت الحرب مع إيران قد كشفت حدود الرهانات العسكرية الأمريكية، كما أن طهران لم تُظهر أي مؤشرات على الانهيار أو الاستسلام، بل واصلت التأكيد على قدرتها على الصمود رغم الضربات التي تعرضت لها.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مبادرة ترامب باعتبارها محاولة لنقل النقاش من نتائج الحرب وتداعياتها إلى مشروع سياسي أشمل، يتيح له استعادة صورته كـ”صانع للاتفاقات الكبرى”، غير أن هذه الطموحات تصطدم بواقع إقليمي مختلف تمامًا عن ذلك الذي وُلدت فيه اتفاقيات أبراهام عام 2020، في ظل “حرب غزة” وتصاعد الاستقطاب الإقليمي، وانقسام المجتمع الدولي، وتراجع فرص التوصل إلى تسويات سياسية شاملة على الأقل على المدى من القريب إلى المتوسط.
الفرق بين اتفاقيات كامب ديفيد واتفاقيا ابراهام
قامت “كامب ديفيد” على مبدأ استعادة الأرض المحتلة مقابل السلام (ثنائية مصر وإسرائيل)، قامت “أبراهام” على تطبيع العلاقات الدبلوماسية الشاملة (مع عدة دول عربية) قبل التوصل لحل للقضية الفلسطينية.
اتفاقيات كامب ديفيد (1978)
• الأطراف: مصر، إسرائيل، والولايات المتحدة كراعٍ للمفاوضات.
• الأساس: استندت إلى مبدأ استعادة الأراضي المحتلة. أدت إلى انسحاب إسرائيل الكامل من شبه جزيرة سيناء مقابل تطبيع العلاقات مع مصر.
• القضية الفلسطينية: تضمنت إطاراً تفصيلياً لحل القضية الفلسطينية وإنشاء حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، على الرغم من أن تطبيق هذا الجزء واجه عقبات سياسية كبيرة.
• الطبيعة: اتفاقية سلام شاملة وثنائية غيرت قواعد الصراع العربي-الإسرائيلي جذرياً لتكون مصر أول دولة عربية تعترف بإسرائيل.
اتفاقيات إبراهيم (2020)
• الأطراف: الإمارات، البحرين، السودان، المغرب، وإسرائيل، برعاية أمريكية
• الأساس: لا تستند إلى انسحاب إسرائيلي من أراضٍ محتلة، بل تقوم على مبدأ “السلام مقابل السلام” والتطبيع المباشر والتعاون في مجالات الاقتصاد، التكنولوجيا، والسياحة.
• القضية الفلسطينية: لم تضع إطاراً لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل ركزت على دمج إسرائيل في المنطقة العربية وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة
• الطبيعة: مسار تطبيع وتكامل إقليمي متعدد الأطراف تجاوز فكرة الحل التقليدي
ان الدوافع الاقتصادية وأعمال التجارة والسياحة وتبادل المعلومات الاستخباراية والتعاون في مجال التقنيات المتقدمة، هي عناصر حاضرة وبقوة في الاتفاقات الإبراهيمية الموقعة، إلا أن العنصر العسكري/الأمني يبقى بالنسبة الى دول الخليج العربي، العنصر الأكثر أهمية، وعلى وجه الخصوص في الجانب المرتبط بعلاقة تلك الدول مع إيران وخشيتها من التمدد الإيراني .
وبغض النظر عن مبررات تلك المخاوف، إلا أن طريقة معالجتها من خلال الرهان على دور إسرائيلي في تعزيز أمن دول الخليج، رهان خاسر بكل المقاييس. فالأطراف المتنازعة في الإقليم، وخصوصا إسرائيل وإيران، لديهما استعداد للتوصل إلى تفاهمات وتسويات مشتركة كلما دعت الحاجة إلى ذلك،
انت الاتفاقيات الابراهيمي هي بلا شك خروجاً عن الإجماع العربي ومبادرة السلام العربية. وهي محاولة لتجاوز القضية الفلسطينية دون حل عادل وشامل للصراع، وخطوة تزيد من حالة الانقسام الإقليمي.
(*) لمزيد من التفاصيل انظر إلى مقال فهد عامر الأحمد ( نحن وأبناء عمومتنا اليهود)

