غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
مع الدخول المبكر لفصل الصيف وموجات الحر اللاهبة التي تضرب قطاع غزة، لم تعد قسوة النزوح تقتصر على شح الغذاء والماء، بل امتدت لتشمل “عدواً صامتاً” يقتحم خيام النازحين ليلاً ونهاراً.
البعوض، والبراغيث، والصراصير، وحشرات شفافة غير مرئية، أصبحت جزءاً من اليوميات القاسية لمئات آلاف النازحين، خاصة في الخيام وعلى طول امتداد مناطق المواصي جنوبي القطاع، وتتكدس فوق الرمال وسط غياب شبه تام للبنية التحتية والمبيدات الحشرية.
ومع اقتراب شهر أغسطس/آب، الذي يُعرف بحرارته الشديدة، تتصاعد المخاوف من تحول الخيام إلى أفران تتكاثر فيها الأوبئة وتستحيل فيها الحياة.
ولم يأتِ هذا الاجتياح الحشري من فراغ، بل نتيجة حتمية لتدمير البنية التحتية وتكدس النفايات وطفح مياه الصرف الصحي.
كابوس الليل
ومن داخل خيام منطقة مواصي خانيونس، تروي ناهدة أبو جامع، وهي أم لخمسة أطفال، معاناتها قائلة: إن “الليل بالنسبة لهم أصبح كابوساً، فبمجرد أن تغيب الشمس يبدأ البعوض في الهجوم على الخيمة وكأنه جيش”.
وتضيف “قضينا ليلة مريرة، فأطفالي لم يذوقوا طعم النوم من شدة البكاء والحكة، بعد أن غطت الالتهابات والحبوب الحمراء أجسادهم الغضة”.
وتعيش البراغيث في الأغطية الرقيقة التي ينام عليها أطفال “أم سعيد” فوق الرمل، مؤكدة أنهم لا يملكون ثمن مراهم الحساسية أو المبيدات الحشرية.
وتتساءل لوكالة “صفا”، بحسرة “عن حالهم حين يحل شهر أغسطس اللاهب إذا كان هذا هو وضعهم في شهر 5”.
الحاج طارق النعايمة البالغ (65 عامًا) والنازح من بيت لاهيا، يشير إلى أنهم لم يختبروا صيفاً بهذه القسوة من قبل، حيث يضطرون لفتح الخيام البلاستيكية الخانقة من كل الجوانب في محاولة للتنفس، مما يسمح للصراصير والبعوض باقتحامها.
يقول النعايمة لوكالة “صفا”، “أنام نصف ليلي في طرد الحشرات عن وجهي، ساعة نوم وثلاثة حكة”.
ومشيرًا لوجوه أحفاده يروي المشهد قائلاً:” كلها حبوب من قرص الحشرات، وبعضهم ينام جالساً من شدة التعب وحولنا مستنقعات من الصرف الصحي، بسبب أن كل نازح جنبه مخرج للمياه، ولا أحد يساعد”.
فوبيا الحشرات ولهيب النهار
ريم الكرد، وهي طالبة جامعية نازحة من رفح، تعبر عن “فوبيا” تواجهها من الصراصير التي تزحف على الأواني القليلة التي يملكونها في ظل انعدام وجود مكان آمن لحفظ الطعام.
تقول الكرد لوكالة “صفا”، “طول الليل أصحى مفزوعة على حشرات تقرصني أو تمشي على أغراضنا، وهذا المشهد أقسى نفسيًا من التعب الجسدي”.
وتشير الكرد إلى أن الخشية الأكبر تكمن في قرب شهر أغسطس، حيث ستتضاعف الحرارة وتحبس الخيام المصنوعة من النايلون والقماش هذا اللهيب، لتتحول إلى بيئة متكاملة للحشرات، بشكل جنوني.
والدها محمود (49 عاما)، يشتكي من استيقاظه كل صباح منهكاً، وكأنه كان في معركة بعد قضاء الليل بطوله في حماية أطفاله من لدغات البراغيث والبعوض ليحظوا بقليل من النوم.
يقول “هذا غير تعب البحث عن شاحنات المياه، تحت الشمس، وفصول كثيرة لنا ثلاثة سنوات فيها”.
ويصاب ابن الكرد الأصغر، بحمى وطفح جلدي حاد، بسبب لدغات الحشرات وانعدام النظافة البيئية المحيطة بالمخيم، حسبما شرح له الطبيب في إحدى العيادات القريبة من مخيمه الواقع قرب شارع خمسة بمواصي خانيونس.
معادلة قاتلة وتحذيرات عدة
ومع توقعات بموجات حر قاسية في شهري يوليو وأغسطس، يقف النازحون في غزة، أمام معادلة مستحيلة تتأرجح بين الاختناق داخل خيام مغلقة، أو فتحها لمواجهة جحافل الحشرات والأمراض.
وصدرت عدة تحذيرات حقيقية وموثقة من جهات محلية ودولية تسلط الضوء على خطورة الموقف، حيث أطلقت بلديات قطاع غزة، بما فيها بلدية خانيونس، نداءات استغاثة متكررة حول انهيار منظومة النظافة العامة والصرف الصحي.
وتحذر البلدية، من أن تراكم مئات الآلاف من الأطنان من النفايات الصلبة وبرك الصرف الصحي بين خيام النازحين يخلق بيئة خصبة وغير مسبوقة لتكاثر الحشرات والقوارض.
كما حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، في تقارير لها، من الانتشار المرعب للأمراض الجلدية مثل الجرب والطفح الجلدي والأمراض المنقولة عبر النواقل الحشرية، مؤكدة أن انعدام مواد النظافة الشخصية والمبيدات الحشرية يفاقم من الأزمة الصحية في المخيمات المؤقتة.
ومن جانبها، أعربت منظمة الصحة العالمية عن قلقها البالغ إزاء تفشي الأمراض المعدية، محذرة من أن ارتفاع درجات الحرارة مع تكدس النازحين بمساحات ضيقة، وسط انتشار الحشرات، ينذر بتفشي أوبئة يصعب السيطرة عليها في ظل انهيار المنظومة الطبية.

