المنظمات الشعبية والعمل الجماهيري
بقلم :صائب قبيعة
لكي ندرك أهمية العمل الجماهيري والعلاقة مع الجماهير لابد لنا أن نعرج على ماجاء في الكتب السماوية والقوانين الإنسانية والنظريات الثورية التي تنظم العلاقة مع الجماهير وتحث على احترامها والتفاعل معها
إن الوصايا العشر تعتبر مجموعة من المبادئ الأخلاقية والدينية تلقاها النبي موسى عليه السلام على لوحي الشريعة ومنها
أكرم اباك، لاتقتل، لاتزني، لاتسرق
لاتشهد على قريبك شهادة زور، لاتشتهي بيت قريبك او زوجته او ممتلكات.
وان قواعد السلوك عند هو تشي منه هي مجموعة من القيم الأخلاقية والقيادية لتكون نموذجاً يحتذى به الكوادر
كان احترام الشعب جزء لايتجزء من وعي هو تشي منه وأفعاله، عاش بين الناس حظى بحبهم و احترامهم وكان يعطي اهتماما بالغا بأراء الجماهير ومطالبهم ويتقبل نقدهم برحابة صدر ولم يضع نفسه فوقهم، كان ملتزمًا التزامًا كبيرا بالجماعة ويحترمها ويحترم أراء الآخرين بغض النظر عن مكانتهم
وكان يحث هوتشي منه ويصر على أن يتحلى القادة بأسلوب علمي وديمقراطي
وان يتعمق الكادر بدراسة الواقع وإجراء البحوث والدراسات وان يكون لديهم أهداف واضحة وان يضعوا خططا وبرامج مناسبة وواقعية والتعلم من التجارب وتعميمها على الكوادر بعد تقييمها ودراسة سلبياتها وايجابياتها.
وفي قرآننا الكريم وصايا أخلاقية خاصة في سورة الأنعام مثل :
الوفاء بالعهد : وبعهد الله اوفوا
حماية مال اليتيم : ولاتقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن
الإحسان إلى الوالدين : وبالوالدين إحسانا
النهي عن الفواحش : ولاتقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن
العدل في القول : واذا قلتم فاعدلو ولو كان ذا قربى
العدل في الكيل والميزان : واوفو الكيل والميزان بالقسط
هذه الوصايا تقوم على تنظيم العلاقة بين الإنسان وخالقه وتنظيم حياة البشر (المعاملات الإجتماعية والأخلاق)
اما نقاط الاهتمام الثماني التي وضعها ماوتسي تونغ لاتخرج عن هذا السياق فهي مجموعة من القواعد السلوكية التي فرضها ماو على الجيش الصيني لضمان كسب ودعم الفلاحين والشعب الصيني
وتهدف هذه القواعد او النقاط إلى خلق جيش منضبط يتصرف بتهذيب واحترام تجاه المدنيين والقواعد هي :
* تحدث بأدب : التحدث بأسلوب مهذب مع الجماهير
* ادفع ثمنا عادلا لما تشتري : التعامل بصدق وأمانة في المعاملات المالية
* عوض عن اي شيئ تتلفه
* اعد كل ماتستعيره
* لاتضرب او توبخ الناس
* لانلحق الضرر المحاصيل
* لاتصرف بقلة حياء مع النساء : الحفاظ على الأخلاق العامة
* لاتسئ معاملة الأسرى : المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب
وقد لعبت هذه القواعد دورا هاما في تعزيز شعبية الحزب الشيوعي الصيني مما ساهم في انتصاره
وقد أولت حركة فتح أهمية خاصة للعلاقة مع الجماهير حيث أن قواعد المسلكية الثورية في المجال الجماهيري تتضمن ضرورة التوجه الصادق الدائم للجماهير وتحقيق العلاقة بينها وبين الحركة الثورية وترسيخ الايمان بأن هدف الحركة الثورية هو مصلحة الجماهير وهذه القواعد ثمانية نقاط وهي :
1 _ احترام الجماهير :
إن احترام الجماهير تحتم على المناضل ان يعبر عن احترامه للجماهير بالممارسة اليومية حيث وجب عليه احترام وعادات وتقاليد الجماهير والاستماع اليها والأخذ برأيها
2_ الاعتماد على الجماهير
الثورة تقوم من أجل الجماهير لذا يجب أن تتحمل الجماهير المسؤولية الأساسية في النضال فانجاز المهام التحررية لايمكن أن يتم دونها او بمعزل عنها وعملية التحرير التي تقوم بها الحركة لايمكن أن تتم الا بالثورة الشعبية المسلحة والتي وقودها و اساسها الجماهير
3_ تعبئة الجماهير :
الثورة لاتستطيع ان تستوعب كل الشعب لذا يتم انشاء المنظمات الشعبية والتي تشكل الركيزة للحركات الثورية
4_ الثقة بالجماهير
الإيمان بقدرة الجماهير على التنفيذ و المساهمة في النضال
5_ حب الجماهير
أعضاء الثورة يضحون بارواحهم في سبيل الجماهير واهدافها لذا وجب وتعميق روح المحبة بينهم وبين الجماهير
6 _ التعلم من الجماهير وتعليمها:
تبادل الخبرات و المعارف مع الجماهير
7_ الالتحام بالجماهير :
التواجد الفعلي والمباشر مع الجماهير
8_ وحدة الجماهير :
تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف حتى يقف الشعب كله صفا واحدا متراصا في وجه اعدائه
وفي مرحلة التحرر الوطني كل فئات الشعب معنية بعملية التحرير ومشاركة فيه فالثورة لايمكن أن تنتصر اذا كانت معزولة عن الجماهير
تعد المنظمات القاعدية أساس العمل الجماهيري حيث تلعب تلك المنظمات دورا حيويا في تحقيق مصالح الجماهير واشراكها في الملية النضالية وهي مؤسسات مجتمعية مثل النقابات او اللجان الشعبية تعل على توحيد الجماهير لخدمة مصالحها وتلبية احتياجاتها
ونستطيع القول ان العمل الجماهيري هو عمل اعلامي يسعى أبناء التنظيم من خلاله الى توصيل أفكارهم للجمهور والقيام بدور التعبئة والتحريض وفق رؤية الحركة السياسية
والحري بالقول ان المنظمات الجماهيرية تعمل داخل الجماهير لا فوقها حيث تبني شرعيتها من خلال التراكم اليومي في ميادين التعلم والعمل والمظاهرات وكل أماكن النضال من خلال التحامها وعملها مع الجماهير لا من خلال قرارات فوقية
ان العمل الجماهيري هو عمل سياسي شامل وهو عمل حساس ودقيق يدعو الى الحركة والبناء والدفاع عن مصالح الشعب
ولكن للعمل الجماهيري ادواته ووسائل اتصاله ولممارسة وسائل اتصال جماهيري فعال فان التنظيم مطالب في
تحديد الأهداف والمجالات التي يتحرك خلالها عضو التنظيم لخدمة اهداف الحركة
طبيعة الجماعات التي يحتمل ان يمارس فيها التنظيم نشاطه
أساليب الاتصال وادواتها
الأهداف المباشرة للاتصال بالجماهير
وتعتبر وسائل الاتصال امرا ضروريا ليحقق الاتصال الجماهيري أهدافه وتنقسم وسائل الاتصال الى قسمين
وسائل الاتصال غير المباشرة إذاعة _ تلفزيون _ صحافة _ كتب مجلات _نشرات
وسائل الاتصال المباشرة : النشاط الاجتماعي والثقافي _ الشعارات
الإذاعة اهم أساليب الاتصال غير المباشر فهي وسيلة اتصال يومية بين التنظيم والجماهير وللكتب طابع مميز كأداة اتصال بين الجماهير رغم ابتعاد الكثيرين عن قراءتها في الوقت الحاضر اما الصحافة فان الكلمة المكتوبة تلعب دورا في تشكيل الراي العام وبالنسبة للنشرات فهي أداة لايحصل عليها المرء بإرادته بل تهبط عليه مما يجعل لديه الحافز للاطلاع
كما سبق وقلنا بان يجب على التنظيم تحديد الأهداف من العمل الجماهيري وأيضا الأدوات المستخدمة في انجاز العمل وهي تنقسم الى الأدوات البشرية والأدوات المعنوية
الأدوات البشرية : ومنها
1- الشخصيات المحورية الجامعة في حياة الشعب
ان من يقود العمل الجماهيري يجب ان يكون حسن السيرة والسلوك ذو سمعة حسنة محبوب بين الناس , صادق امين
واسع العلم والثقافة الاجتماعية
ان القائمين على العمل الجماهيري يجب ان يكونوا اكثر الشخصيات الشعبية خبرة وقوة أخلاقية وروحية ويجب ان يلعب التنظيم دورا في تدريب وتاهيل هذه الشخصيات داخل الأطر التنظيمية قبل ان تتولى مهام قيادة هذه المنضمات الجماهيرية
ان من يتولى قيادة المنظمات الشعبية يجب ان يكونوا مبدعين في العمل المهني والجماهيري وعدم تمكين الرموز والقيادات الضعيفة ان تتقدم الصفوف
2-المحرض السياسي :
المحرض السياسي من الأدوات الهامة في العمل الجماهيري فهو يعمل على كشف مظاهر الفساد والاضطهاد والظلم الواقع على الشعب عبر الخطابة واعتلاء المنابر وقيادة التظاهرات والمسيرات والمهرجانات
ولكون المحرض على اتصال مباشر مع الجماهير يجب ان يكون قدوة يحتذى به معروفا لدى القطاعات الشعبية يتمتع بسمعة طيبة
فالمحرض هو الشخص الذي من خلاله يتم نقل الموقف التنظيمي والسياسي الى الجماهير لذا يجب ان يمتلك كل المهارات المطلوبة وان يمتلك قوة الحقيقة والقواعد والاسس العلمية في اختيار لغة التواصل مع الجماهير
3- الدعاة السياسيون :
الداعي السياسي هو الذي يقوم بكشف الفساد والظلم الواقع على الشعب عن طريق الكتابة ويقوم بتقديم البرامج للنخب السياسية وهو يختلف عن الداعية الديني والذي أحيانا يقوم بالتأليف لكن يكثر بالدعوة عن طريق الخطابة والتحريض المباشر
الداعية السياسي هو الانسان الذي تستلهم من كتاباته الجماهير الشعبية وعيها العميق واحساسها بضرورة النضال وتسترشد من خلاله الأساليب الكفاحية المناسبة لإحداث التغيير
4- رواة البطولات الشعبية :
تعمل كوادر العمل الجماهيري على إبقاء ذاكرة الشعب حية من خلال نماذج شعبية تحفظ تاريخ الشعب وبطولات أبناؤه عن الطريق الرواية بواسطة من عاش هذه البطولات من جرحى واسرى مثلا او من عايشوا هؤلاء الابطال وتاثر بهم او من علم وحفظ جميع تفاصيل الرواية واخذ يرويها بروح العالم بها والشاهد عليها
5- الاجتماعات والمهرجانات والمظاهرات :
يجب ان يتحلى كادر العمل الجماهيري بالقدرة على ضبط الشارع وحفاظ امن المتظاهرين وعدم السماح للغوغائيين والمحرضين من دخول التظاهرات والمهرجانات ان القدرة على حماية الجماهير المحتشدة يعكس انضباطية وهيبة التنظيم السياسي لذا يتم اعلام الجماهير مسبقا عن اهداف هذا التجمع والشعارات المرفوعة واليافطات المكتوبة
الأدوات المعنوية غير المباشرة :
1- المنشور :وهو تبليغ عن حدث ما وبشكل مختصر ويجب ان يكون واضحا لايحتمل التأويل ولايحمل معاني وتفسيرات لاتخدم الحدث نفسه
2- الجريدة : تحرص القوى السياسية على ان يكون لها جريدة يومية تحمل مواقف التنظيم
3- الكتيب : وهو شرح الحدث او موقف معين من قضية ما على ان لاتكون بحجم كلبر لكي يسهل قراءتها بسرعة وان يسهل تداولها بين الجماهير وحفظها في الذاكرة
4- الكتاب : وهو المصدر الثابت للمعرفة
٥- المواقع الإلكترونية : يجب أن تكون هذه المواقع تحت إشراف خبراء ومختصين في العمل الإعلامي وقد أصبح لتلك المواقع دورا هاما في التأثير على الناس
إن العمل الجماهيري قادر على بعث الحيوية والحياة السياسية وكسر الروتين في العمل السياسي الممل وقد اعتبر البعض ان الكادر الذي يقوم بالعمل الجماهيري هو كمن يخوض عملية انتحارية مع الحياة، لذا فإن عند بناء المنظمات الشعبية يجب أن تتم على أسس صحيحة فبناء تلك المنظمات يجب أن يقوم على أساس الالتزام بقضايا الجماهير والالتزام بالخط السياسي للحركة فتلك المنظمات وسيلة من وسائل النضال للوصول إلى عملية تحرير الأرض والإنسان
المنظمات الشعبية ليست منظمات حيادية فهي ساحة صراع ونضال ساحة لتشكل الوعي فمثلا منظمة المرأة التي تناضل لنيل حقوقها ضد التمييز لاتدافع فقط عن المساواة بين الجنسين بل تعيد تعريف معنى الحرية
فعندما يتم بناء منظمات العمل الجماهيري على اساس المحاصصة او الطائفة او المذهبية او المناطقية او العشيرة يصبح الولاءات الخاصة بديلا عن المصلحة العامة والمحسوبية بدل الكفاءة والطاعة بديل عن المشاركة
من هنا فإن بناء المنظمات الجماهيرية ليست مجرد مهمة لتوزيع الحصص فبدل الولاء والقرابة و الوساطة يقوم التنظيم الجماهيري على الوعي والمشاركة والمساءلةو الشفافية.
لايمكن لأي مشروع تحرري ان يستمر دون قاعدة شعبية، الفكرة عندما تبقى حبيسة الكتب او عندما لاتجد من يحملها ويدافع عنها ويتبناها تذبل وتموت فأما ان تبنى منظمات جماهيرية تتفاعل مع الجماهير وعلى أسس علمية واما أن يبقى الوعي أسير النخبة
وعندما يتم بناء منظمات جماهيرية على أسس صحيحة يساهم هذا في القضاء على الفساد إذ ان التنظيم الجماهيري يقوم على الوعي والمشاركة والشفافية والمساءلة وهو النقيص للمحسوبية والاستزلام والزعامة الابوية
وايضا المنظمات الجماهيرية هي فعلا جماهيريا لا امتيازا نخبويا فالجماهير تشارك في الرقابة
من هنا نقول ان الفعل الجماهيري المنظم هو المدخل لتحرير السياسة من الفساد والمفسدين والطائفية والعشيرة لأن حين تتحرك الجماهير بوعي يعاد تعريف السياسة بوصفها مصلحة عامة وليست منافع شخصية
ففي الوقت الذي تتحول فيه الجماهير من موضوع للسياسة إلى فاعل فيها يبدأ الفساد في فقدان توازنه لان ادواته المتمثلة في الاستزلام، المحاصصة، الرشوة تفقد فاعليتها
الفساد يحتاج إلى السرية ليعيش بينما الفعل الجماهيري يقوم على العلن مقدما المصلحة العامة على المصلحة الشخصية
إن المنظمات الجماهيرية تلعب دورا لاغنى عنه حيث تعلم الناس معنى المشاركة وتدرب المجتمع على ممارسة الديمقراطية فعندما يتشكل الوعي لدى الطالب والعامل والمرأة في اختيار ممثليهم على اساس الكفاءة لا القرابة يصبح العمل الجماهيري نقيض الفساد.
عمل المنظمات الشعبية ليس ظرفي وليس وظيفه ثانوية هو امتداد للعملية النضالية برمتها امتداد للبرنامج السياسي فالعمل الجماهيري هو مجال اختبار قدرة التنظيم على التأثير فلاسياسة بدون جماهير والتنظيم لايمكن أن يستمر دون قاعدة شعبية (الثورة والجماهير) كالسمكة والماء
بالمختصر ان استمرار الثورة وبناء الدولة يتطلب تنظيم الجماهير واشراكها في العملية النضالية يتطلب الاعتماد عليها هذا الاعتماد يتم من خلال النقابات الجمعيات، اللجان الشعبية
إن تنظيم يختصر وجوده في المركز او على النخبة او يحصر نضاله في الخطابات هو عمليا ينفصل بشكل تدريجي عن قاعدته، الثورة تبنى على الارض مع الجماهير والتي انطلقت الثورة بهاومن أجلها، والسياسة بلاجماهير تتحول إلى إدارة والادارة بلا رقابة (الجماهير) تتحول إلى فساد

