قراءة نقديّة في أعمال المؤتمر العام لحركة “فتح”
…إيجابيات وسلبيات
بقلم : صائب قبيعة
يعتبر المؤتمر العام لحركة “فتح” أعلى سلطة قيادية في حال انعقاده، وفيه يتم اتخاذ القرارات المصيرية، وصياغة البرامج السياسية والتنظيمية. فالمؤتمر ليس مجرد محطة تنظيمية عابرة، وحركة فتح ليست مجرد تنظيم عادي، بل هي إرادة شعب وصوت الحق، وهي حركة الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، والحاضنة الشعبية والوطنية له.
ولأننا بحاجة ماسة إلى أن تبقى “فتح” قوية ومتماسكة، ولأننا نخشى عليها، لا بد لنا من ممارسة النقد والانتقاد لبعض الممارسات الخاطئة التي جرت خلال فترة انعقاد المؤتمر، وذكر السلبيات دون إغفال الإيجابيات.
أولاً: السلبيات والتجاوزات التنظيمية
بالنسبة لبعض السلبيات التي رافقت التحضير للمؤتمر، نجد الآتي:
الحملات الإعلانية والمباركات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هذا خطأ تنظيمي واضح، فهذه انتخابات داخلية وليست انتخابات بلدية أو برلمانية. كما أنه كيف يمكن لعضو أن يعلن ترشحه قبل اطلاعه على البرنامج السياسي والموافقة عليه؟ إن إعلان الترشح عبر منصات التواصل الاجتماعي يعتبر خرقاً تنظيمياً يجب المحاسبة عليه. وللعلم، فإن بعض من ذُكر ترشحهم عبر تلك الوسائل كان بجهد من الأصدقاء وليس منهم شخصياً، وهذا لا يمنع مطالبتهم بحذف تلك المنشورات فوراً.
أخطاء اللجنة التحضيرية: ارتكبت اللجنة أخطاءً كثيرة، منها ما يتعلق بملف العضوية، وخاصة في بند “الكفاءات”. كما أنه لا يجوز قانوناً ولا تنظيمياً أن يكون عضو اللجنة التحضيرية مرشحاً لأي منصب قيادي أثناء انعقاد المؤتمر لأن ذلك يعني غياب الشفافية وتضارب المصالح.
نشر البيانات الشخصية للأعضاء: تم نشر أسماء أعضاء المؤتمر رباعية مع اسم الأم ورقم الهاتف، مما يعرض العضو وأمنه الشخصي للخطر المباشر. وهذه هي المرة الأولى التي يجري فيها نشر الأسماء علانية، وهو ليس خرقاً تنظيمياً فحسب، بل يعني أن أسماء كافة قيادات وكوادر الحركة أصبحت مكشوفة أمام أجهزة مخابرات العالم، مما قد يؤثر على أمنهم وتحركاتهم.
معايير العضوية وحضور المؤتمر: ليس كل من حضر المؤتمر يحق له الحضور، والعكس صحيح، إذ إنه هناك الكثير ممن ظُلموا واستُبعدوا وكان يجب حضورهم. ولكن هذا لا يبرر قياس عطاء الكادر التنظيمي بحضوره للمؤتمر من عدمه، فعدم نيل عضوية الحضور لا يقلل من أهمية الكادر ونضاله. وقد يكون الخطأ هنا متعلقاً بموضوع الكفاءات، إذ إن عضوية المؤتمر واضحة ومحددة حسب النظام الداخلي، لذا يتطلب الأمر وضع معايير واضحة لا لبس فيها، وألا تتحول معايير اختيار الكفاءات إلى أساس الولاء الشخصي والمحسوبيات.
ثانياً: سلبيات متعلقة بمجريات أعمال المؤتمر
أما السلبيات التنفيذية داخل أروقة المؤتمر فتمثلت في:
طريقة التصويت على مقترح الرئيس بشأن “الشبيبة”: والمتمثل في خفض شرط العضوية للمؤتمر إلى عشر سنوات عوضاً عن خمسة عشر عاماً كما هو منصوص عليه في النظام الداخلي. وقد تمت الموافقة عليه بالإجماع، مما يفتح المجال للكثير من التساؤلات: كيف تمت الموافقة عليه بالإجماع بينما لم يتم تمرير نفس القرار في المؤتمر السابق؟ وكيف حُسبت الأصوات؟ بالطبع لم تُحسب، فلم يتم تعداد من وافق ومن اعترض، ولم يُفتح المجال لمناقشة سلبيات القرار وإيجابياته. ومع إيماننا بأهمية دور الشباب وفتح المجال أمامهم لتولي مناصب قيادية، إلا أن أي تعديل في النظام يجب أن يخضع للمناقشة ويحال إلى اللجان المختصة.
رأي شخصي: أعتقد أنه من الخطأ أن يصبح شاب في مقتبل العمر عضواً في اللجنة المركزية مثلاً، لأن الشاب الذي يبلغ من العمر 28 عاماً أو أقل قد لا يكون قد وصل بعد إلى مرحلة النضج العاطفي والسياسي الكافي. بينما لو بقي شرط الخمسة عشر عاماً تنظيماً (أي يكون عمره 33 عاماً فما فوق)، لكان قدأصبح لديه النضوج الذي يمكنه من القيادة واتخاذ قرارات مصيرية، علماً أن سن الشباب يستمر حتى الأربعين (وكما هو معروف، فإن عضوية الحركة لدينا تبدأ من عمر 18 عاماً، وقد يكون قبل ذلك إذا انتسب الكادر إلى الشبيبة مبكراً).
ضيق الوقت وضياع فرص النقاش: لم تتمكن اللجان من المناقشة والتعمق في تقديم المقترحات، خاصة فيما يتعلق بلجنتي “النظام” و”البرنامج السياسي” لضيق الوقت الممنوح لهم فكان من الأفضل تشكيل هذه اللجان قبل انعقاد المؤتمر بعدة أيام لتنجز عملها بشكل كامل. كما لم يأخذ الأعضاء حقهم في النقاش وإبداء الآراء بحجة ضيق الوقت أيضاً.
غياب الجدية في حضور الجلَسات: إذا كان الاجتماع التنظيمي لدينا أمراً مقدساً، فكيف تكون جلسات المؤتمر العام؟ لقد كانت القاعة شبه فارغة أثناء انعقاد الجلسات، ولربما كانت قاعة لبنان الأكثر التزاماً من بين الأعضاء، والتي كانت تضم ساحتي لبنان وسوريا وبعض الأقاليم الخارجية.
العوائق اللوجستية التقنية: واجه المؤتمر بعض العوائق التي قد يكون بعضها خارجاً عن الإرادة، مثل انقطاع شبكة الإنترنت، وغياب الصوت، وعدم إمكانية الاستماع المتبادل للقاعات الأخرى في بعض الأحيان، مثلما حدث مع قاعة مصر.
ثالثاً: الإيجابيات والمخرجات الوطنية
إلا أن هذه السلبيات —على خطورتها— لم تمنع من وجود إيجابيات هامة. فقد انعقد المؤتمر في مرحلة سياسية بالغة الخطورة، وما انعقاده في أربع قاعات مشتتة إلا دليل على الإصرار على عقده مهما كانت الظروف، نظراً للمخاطر والمتغيرات الدولية والإقليمية، وتصاعد عنجهية الاحتلال. فالبلاد تمر بحرب إبادة على غزة والوضع المأساوي الذي يعيشه أبناء شعبنا هناك، وضفة غربية يتم اقتطاعها رويداً رويداً، وأزمة مالية خانقة، وقوانين عنصرية بحق الأسرى، واقتحامات متكررة لقطعان المستوطنين للمسجد الأقصى ومحاولة تقسيمه زَمانياً ومكانياً.
في ظل هذه الظروف الصعبة، نجح المؤتمر في الخروج بنتائج إيجابية، أبرزها:
البرنامج السياسي: حيث تم التأكيد على الباب الأول من النظام الأساسي للحركة وعدم المساس به، خاصة فيما يتعلق بالأهداف والمبادئ والأسلوب النضالي.
الإصلاح الداخلي: التأكيد على الإصلاح ومحاربة الفساد، تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة، ترسيخ القيادة الجماعية، تعزيز الوحدة، والعمل على نهوض الحركة واستعادة دورها الريادي.
الفصل التنظيمي: إقرار مبدأ فصل الحركة عن السلطة الفلسطينية.
حق العودة: ضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومدنهم وقراهم طبقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، واعتبار أن حقهم في العودة والتعويض يشكل جوهر القضية الفلسطينية.
المقاومة المشروعة: التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكافة الأشكال طبقاً للقانون الدولي، وتصعيد المقاومة الشعبية والارتقاء بها.
الاقتصاد المقاوم: العمل على بناء اقتصاد وطني مقاوم يعزز الانفكاك عن الاحتلال.
منظمة التحرير: تفعيل دوائر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد.
المصالحة الوطنية: بناء شراكة وطنية حقيقية تنهي الانقسام الداخلي.
دعم الصمود وإعادة الإعمار: توفير كافة أشكال الدعم لتعزيز صمود شعبنا في مخيمات الوطن والشتات، والعمل الحثيث على إعادة إعمار ما دمره الاحتلال.
وهناك الكثير من الإيجابيات التنظيمية التي لا يتسع المجال لذكرها جميعاً، ولكن نذكر منها أيضاً:
إحداث تغييرات ملحوظة في هيكل اللجنة المركزية بنسبة تجديد بلغت 50%.
تسجيل حضور أعلى للمرأة في اللجنة المركزية مقارنة بالمرات السابقة.
تحقيق تمثيل وازن للأسرى ولعاصمة الدولة “القدس” في اللجنة المركزية، وهو ما لم يحظوا به بهذا الشكل سابقاً.
خاتمة وتوصية
ومع كل هذه الإيجابيات، نلاحظ بغيض من العتب غياباً تاماً لساحات الشتات في اللجنة المركزية، إذ كانت النتيجة صفرية، وحتى في المجلس الثوري لم يكن هناك تمثيل للشتات إلا بثلاثة أعضاء فقط من ساحة لبنان.
صحيح أن النجاح الحقيقي في العمل التنظيمي ليس بمن فاز أو خسر، مع أهمية وضرورة وجود تمثيل عادل للشتات الفلسطيني، إلا أن ما يهمنا في المحصلة هو أن تبقى حركة “فتح” قوية، واحدة، وموحدة؛ لأن وحدة الحركة هي الضمانة الأساسية لحماية المشروع الوطني والنهوض به نحو الحرية والاستقلال.



