الأونروا بين الضغوط الأمريكية الاسرائيلية والتمسك بالشرعية الدولية: مواجهة مستمرة
كتب رمزي عوض
إلتقت المسؤولة الأمريكية ووفد مرافق لها في مقر وكالة الأونروا بالقدس الشرقية، مسؤولا فيها وسألته: متى ينتهي عمل الأونروا في اسرائيل، فقال لها: الأونروا لا تعمل في اسرائيل بل تعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أعادت عليه السؤال فكرر اجابته، وكررت السؤال مرة ثالثة بطريقة استفزازية مضيفة أنه لم يفهم معنى سؤالها، فقال لها: لا ترامب ولا إدارة الولايات المتحدة الأمريكية ولا حكومة الاحتلال الاسرائيلي تستطيع إنهاء عمل وكالة الأونروا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنها محصنة بقرارات من الأمم المتحدة، والشرعية الدولية.
هذا الحوار كان عام 2018 بين السيد حكم شهوان كبير مستشاري مدير عام وكالة الأونروا السيد بيير كرينبول وقت ذاك، مع وفد أمريكي زار مقر الأونروا في القدس الشرقية، عقب ايقاف الولايات المتحدة الأمريكية تمويلها لوكالة الأونروا المقدر بحوالي 350 مليون دولار أمريكي بقرار من الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب.
القصة بدأت عندما زارت بلدية القدس التابعة لحكومة الاحتلال الاسرائيلي عيادة وكالة الأونروا في القدس الشرقية محاولة اصدار قرار بإغلاقها مع ثلاث مدارس أخرى بحجة عدم استيفاء معاير الصحة والسلامة، وعلى أثر ذلك تدخلت الأونروا بقرار مباشر من المدير العام السيد كرينبول للسيد شهوان بإمكانيات لا محدودة للدفاع عن مراكز الأونروا وعملها في القدس، وخلال أربعين يوما اعيد تأهيل العيادة الصحية والمدارس الثلاث وتم افتتاحهم واستحداث مكتب رئيسي للأونروا داخل المركز الصحي، مع تأجير ثلاث مكاتب لمؤسسات دولية تابعة للأمم المتحدة لتحصين مراكز الأونروا في القدس.
معلوماتي في هذه القصة لم أستقيها من أي من الرجلين، بل كنت اتابعها من خلال بعض التقارير الاخبارية، بالإضافة لمعلومات مقربين منهما، بصفتي منسقا لمبادرة (معا ضد تقليص الأونروا)، وأذكر أني وقت ذاك أخبرت فريق العمل معي، أن حكومة الاحتلال الاسرائيلي لن تسمح ببقاء الرجلين في الاونروا، وفعلا اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاء لها وكالة #الأونروا بقضايا فساد مختلفة، وبعد ذلك تم الطلب من السيد حكم شهوان تقديم استقالته، بعد أخباره أن هناك ضغطا أمريكيا بذلك، ومن ثم استقال السيد بيير كرينبول، وأغلقت الأونروا ملفات التحقيق بالفساد، إلا أن السيد شهوان طالب باستمرار التحقيق، رافعا قضية على الأونروا وقد كسبها مؤخرا مثبتا براءته من قضايا الفساد، ولكنه بقي خارج الأونروا.
أنا هنا لست في موقع الدفاع عن الرجلين، فأثناء عملهما بوكالة الأونروا كنت على خلاف معهما في كثير من الملفات، وكذلك كان عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين ينتقدون أداء وكالة الأونروا أثناء عملهما فيها، ولكن أذكر هذه الواقعة كي نعرف التاريخ الحقيقي، لنستطيع التعامل مع المستقبل.
تأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، المعروفة بالأونروا، عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، كرد فعل على مأساة نكبة 1948 التي شردت مئات الآلاف من الفلسطينيين. بدأت الوكالة عملها رسميًا في مايو 1950، وقد وُلدت من رحم الحاجة الإنسانية لتوفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، والتأكيد على الالتزام الدولي تجاه هؤلاء اللاجئين. تعمل الأونروا في خمسة أقاليم رئيسية، هي الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وسوريا ولبنان، مقدمة خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.
لكن ما بين هذه البداية الإنسانية والمواقف السياسية المتصاعدة، يبدو أن الأونروا وجدت نفسها في قلب صراع أعمق، يتخطى مهمتها الأساسية ليصبح ساحة للتجاذب السياسي. وفي السنوات الأخيرة، شهدت الوكالة حملة مكثفة من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي، تسعى فيها لتقويض دور الأونروا، ووصمها بتهم تتعلق بالإرهاب والارتباط بجماعات متطرفة، بعض هذه التهم تركز على وجود مزاعم بتهريب أسلحة وتخزينها في بعض منشآت الأونروا في #غزة، وعلى أن المناهج التعليمية التي تدرسها الوكالة للفلسطينيين تتبنى سردية تاريخية تتهمها إسرائيل بأنها تعزز الكراهية والعنف ضدها، وفي هذا السياق صرح نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آفي ديختر أمام #الكنيست في 2019 قائلاً: “بعض مدارس الأونروا تحولت إلى مستودعات للصواريخ، ويجب أن ننظر بجدية في كيفية وضع حد لدورها التحريضي” – (صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فبراير 2019).
وهذه المزاعم، ليست إلا واجهة لسياسة إسرائيلية أعمق، تهدف إلى تصفية قضية #اللاجئين الفلسطينيين، إذ تعتبر الأونروا كيانًا يُبقي هذه القضية حية في الساحة الدولية، خاصةً وأنها تشكل سنداً قانونياً لحق العودة وفق القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن هذا القرار يحمل في طياته إشارات ضمنية لحق العودة أو التعويض، إلا أنه لم يُطبق على الأرض، ولم يُعتبر ملزمًا قانونيًا، لذلك لم تستطع مجموعات الدفع المتعاطفة مع اللاجئين الفلسطينيين من ترسيخ هذا المبدأ، ولكن هذا القانون مع مجموعة قوانين أخرى وآخرها قرار محكمة العدل الدولية 2024 : بأن استمرار وجود دولة #إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، هي قوانين تؤكد أن الاحتلال الاسرائيلي يمارس سلطة غير قانونية على أراض فلسطينية، وهذه الأراضي هي التي تعمل فيها وكالة الاونروا، وبالتالي حتى مع إقرار الكنيست لقانون منع الأونروا من العمل في الأراضي الاسرائيلية، فهو غير ملزم للوكالة بتنفيذه عدا أنه يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن، فلأنروا لاتعمل قانونا في أراض اسرائيلية، لأن مناطق عمل الأونروا في غزة والضفة الغربية، هي أراض فلسطينية وفق القانون الدولي، وأي تواجد اسرائيلي في تلك المناطق هو تواجد احتلال بشكل غير شرعي.
وما يزيد الوضع تعقيدًا هو تصعيد #الاحتلال مؤخرًا باتجاه الأونروا، إذ أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا يقيّد أنشطة الوكالة ويمنع أي تواصل معها داخل إسرائيل، بزعم أن وجودها يعزز خطاب الكراهية ويمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمزيد من الوقود. وقد أيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين #نتنياهو هذا التوجه منذ عام 2018 عندما صرّح: “الأونروا يجب أن تختفي من العالم، لأنها تكرس وضع اللاجئين بدلًا من حله” – (نقلاً عن صحيفة “جيروزاليم بوست”، يونيو 2018). ورغم عدم توثيق هذا القانون في بعض المصادر الرسمية، إلا أن سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية تتابع بشكل حثيث وضع قيود حول الوكالة، خاصة في #القدس الشرقية، التي تضم آلاف اللاجئين الفلسطينيين.
وفي خضم هذا التصعيد، تعرضت منشآت الأونروا في غزة، في أكثر من مناسبة، لهجمات عسكرية خلال العدوان الإسرائيلي المتكرر، خاصةً مع تحول بعضها لمراكز إيواء للنازحين الفارين من القصف، ورغم أن الأونروا تعمل في غزة تحت مظلة الأمم المتحدة، إلا أن ضغوط الاحتلال الاسرائيلي المتواصلة تهدف إلى خنق عملها، بل وتقديمها كعبء أمني على المنطقة.
في الجانب المقابل، نجد أن موقف المجتمع الدولي يعاني من الانقسام. فقد قامت الولايات المتحدة بتقليص وايقاف تمويلها للأونروا خلال السنوات الأخيرة، منذ حكم #ترامب في ولايته السابقة حيث اوقف حصة الولايات المتحدة الأمريكية في تمويل الوكالة والمقدرة بحوالي 350 مليون دولار، مما زاد من تعقيدات عمل الوكالة، ودفعها للبحث عن دعم من الدول #الأوروبية وبعض الدول العربية، وفي تصريح وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو، عند اتخاذ قرار ايقاف التمويل الأمريكي، قال بومبيو: “لا يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في تمويل وكالة تساهم في تمديد الصراع #الفلسطيني الإسرائيلي بدلًا من إنهائه” – (صحيفة “واشنطن بوست”، سبتمبر 2018)، وإلى اليوم وبعد أن أعادت الولايات المتحدة الأمريكية دعمها للاونروا في عهد حكومة #بايدن، لم تستلم وكالة الأونروا أي مبلغ، بل دعم امريكا توجه لليونسف العاملة بالوسط الفلسطيني، مع شرطين اساسيين، الاول عدم حصول الأونروا على هذه الأموال والثاني عدم استفادة اللاجئين الفلسطينيين بشكل مباشر منها، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية لازالت فعليا لاتمول وكالة الأونروا منذ عهد #رئاسة ترامب السابقة، ومع نجاح ترامب الآن بالرئاسة الأمريكية، سيكون وضع الأونروا أكثر سوءا من قبل.
وتعكس ردود الأفعال الفلسطينية والعربية تناقضًا واضحًا، فبينما أدانت #السلطة الفلسطينية والفصائل قرار حظر الوكالة واعتبرته جزءًا من مشروع تصفية القضية الفلسطينية، لم تُظهر أي دولة عربية قرارًا واضحًا بالمقاطعة الدبلوماسية الكاملة لإسرائيل احتجاجًا على السياسات تجاه الأونروا، هذه السياسات الإسرائيلية لم تتوقف عند استهداف الوكالة، بل تشمل إضعافها ماليًا وسياسيًا، في محاولة لتفريغها من محتواها الإنساني والسياسي.
في هذا السياق، تزداد الدعوات بين الفلسطينيين لتوحيد الصف لمواجهة هذه السياسات، إذ يرى العديد منهم أن إسرائيل تستخدم الضغوط #العسكرية والسياسية والاقتصادية في إطار استراتيجية متكاملة تهدف إلى تدمير أسس الحياة الفلسطينية. فحظر الأونروا، وحصار غزة، وإغلاق الفضاء السياسي والدبلوماسي، كلها تشكل أركان خطة تستهدف دفع الفلسطينيين نحو #الهجرة القسرية، خارج #فلسطين التاريخية، والاندماج في مجتمعاتهم المحلية، للانتهاء من حق العودة والتعويضات عن سنين اللجوء والحرمان.
ومع استمرار الصمت الدولي تجاه هذا التحرك الإسرائيلي، يتساءل البعض عن قدرة المجتمع الدولي على التصدي لهذه الممارسات، ويرى #حقوقيون أن الأونروا تحظى بحماية قانونية وفق ميثاق الأمم المتحدة، وأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين لا تسقط بمرور الزمن، وقد صرح #المفوض العام للأونروا فيليب #لازاريني منذ نوفمبر 2022: “الأونروا تواجه اليوم تحديات تهدد وجودها، لكنها ستستمر بالقيام بواجباتها طالما أن اللاجئين الفلسطينيين يحتاجون إلى الدعم” – (موقع الأونروا الرسمي، نوفمبر 2022).
ولكن حتى الآن، لم يُترجم هذا الالتزام الدولي بوجود وكالة الأونروا على شكل عقوبات ضد الاحتلال أو إجراءات دبلوماسية كالمقاطعة وطرد السفراء لتفرض احترام حقوق الفلسطينيين.
ويبقى التساؤل حول مدى التزام المجتمع الدولي في مواجهة المخططات الإسرائيلية، فالانتخابات الأمريكية لن تغير كثيرًا من واقع الدعم المقدم للاحتلال الإسرائيلي من #واشنطن، كما أن الدول العربية قد تتردد في اتخاذ خطوات حاسمة، لكن الضغط الشعبي الفلسطيني والدولي قد يكون أحد الأدوات المحدودة المتاحة للحفاظ على وجود الأونروا وحق العودة، ومنها قد يكون تحركات شعبية لدعم وكالة الأونروا للضغط على الحكومات، لتتخذ إجراءات عقابية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وتفعيل اللوبي #العربي و #المسلم الذي ساهم في نجاح ترامب في الرئاسة الأمريكية ليكون له دور داعم لبقاء عمل وكالة الأونروا، من ضمن سلة دعم للقضية الفلسطينية والحل العادل والشامل الذي يضمن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.



