غزة / شبكة الاخبار الفلسطينية
في غزة، لم تعد الحرب وحدها هي التي تنهش أعصاب الناس؛ فخلف غبار القصف وأزمات النزوح، ولدت أزمة “صغيرة” بحجمها لكنها “عملاقة” بأثرها المهين، وهي أزمة “الفكة”.
هذه الأزمة لم تكتفِ بتعطيل البيع والشراء، بل تحولت في يد البعض إلى سوطٍ يُجلد به المواطن المنهك أصلًا، خاصة في مواقف السيارات وبين يدي فئة من السائقين الذين فقدوا بوصلة الإنسانية في عزّ المحنة.
لقد تحول مقعد السائق لدى هؤلاء من وسيلة لخدمة الناس وتسهيل تنقلهم، إلى منصة “للسلطة” المطلقة؛ فأصبح السائق هو الحاكم الناهي الذي يملك الحق في طرد راكب، أو إهانة امرأة، أو تجاهل رجل مسن، فقط لأن الأخير لا يملك “العملة المعدنية” التي تفتح أبواب السيارة.
إن المشكلة الحقيقية اليوم ليست في “نقص السيولة” كظاهرة تقنية مرتبطة بالحرب والتهدئة، بل في الانحدار الأخلاقي الذي صاحبها، حيث صار “اللي ما بسوا نكلة” هو من يتحكم في كرامة الناس ومواعيدهم، وكأن الشيكل الواحد صار أغلى من صلة الرحم والتعاون بين أبناء الشعب الواحد.
فما يمارسه بعض السائقين اليوم ليس “تدبيرًا لحالهم” كما يدّعون، بل هو استغلال قبيح وبلطجة مرورية تزيد من غربة المواطن في وطنه.
إن السائق الذي يشترط وجود “الفكة” قبل الركوب، أو الذي يُنزل الراكب بدم بارد لمجرد خلاف على “باقي العملة”، يمزق النسيج الاجتماعي الذي تفاخرنا بمتانته طوال شهور الحرب، وإن الرحمة والتعاون هما السلاح الوحيد الذي نملكه لمواجهة أهوال هذه المرحلة، فإذا ضاعت هذه القيم في الطريق بين السائق والراكب، فماذا بقي لنا من إنسانية؟
إن الصمت عن هذا التنمر المروري لم يعد مقبولًا، ونحن اليوم أمام صرخة لاستعادة الضمير قبل استعادة السيولة. على الجهات المسؤولة واللجان الشعبية في المواقف وضع حد لهذا الاستغلال الممنهج، وعلى كل سائق “مستقوٍ” بفكة جيبه أن يتذكر أن الراكب الذي يطرده قد يكون نازحًا فقد كل شيء، أو أمًا مثقلة بالهموم، أو أبًا يبحث عن لقمة عيش بصعوبة بالغة.
فالأزمات الاقتصادية ستنتهي يومًا ما، والشيكل يذهب ويأتي، لكن المواقف المخزية هي التي تبقى محفورة في ذاكرة الناس، ولن ينسى الغزيون أبدًا من استغلّ “نكلة” ليذلّ بها كرامتهم في أصعب أيام حياتهم.

