آخر الأخبار :

تقدير موقف حول الأونروا بين تجديد التفويض ومحاولات التقويض

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" الذي ينفذه مركز مسارات - الدورة السادسة 2019-2020.
مقدمةصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بتاريخ 15/11/2019، لصالح تجديد ولاية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، بدعم 170 دولة، مقابل معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتناع 7 دول، ضمن مشروع قرار مساعدة الشعب الفلسطيني الذي تقدمت به اللجنة الرابعة للسياسات وإنهاء الاستعمار.
وأوضح بيان الأمم المتحدة عقب جلسة التصويت أن الجمعية العامة قررت تمديد ولاية الأونروا حتى 30/6/2023، دون تعارض مع الفقرة 11 من القرار الأممي رقم 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، لكن الجمعية العامة أعربت عن قلقها من الآثار السلبية للأزمة المالية الحادة للأونروا على مواصلة تقديم خدماتها.
يطرح هذا الأمر تساؤلات عدة حول إمكانية نجاح المحاولات الأميركية والإسرائيلية في تقويض عمل الأونروا بعد التجديد الأوّلي الذي حصلت عليه عبر تشديد أزمتها المالية، وإثارة قضايا الفساد وسوء الإدارة؟ وهل ستنجح الجهود الفلسطينية، بمساعدة الدول الداعمة لحقوق اللاجئين، في تثبيت التجديد وإبقاء خدمات الأونروا، والوفاء بتعهداتها المالية؟
مثّل التصويت نجاحًا لحق اللاجئين الفلسطينيين، ومهّد الطريق للحصول على تجديد التفويض للأونروا في تصويت الجمعية العامة المقبل في 13/12/2019، إلا أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي تستهدف الأونروا كمؤسسة أممية متواصلة لـتقويض التجديد الذي حصلت عليه بقطع المساعدات المالية، ولثني الدول عن دعمها، واتهامها بالفساد وسوء الإدارة.
الأونروا وتجديد التفويض
أقرّت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية خطة تحرك مطلع آب/أغسطس 2019؛ لحث الدول الأعضاء في الجمعية العامة للتصويت على تجديد تفويض الأونروا دون تغيير في طبيعة عملها. وبدأ تنفيذ الخطة بلقاء أحمد أبو هولي، رئيس دائرة شؤون اللاجئين، مع بيير كرينبول، المفوض العام للأونروا السابق، لوضع قضية تجديد التفويض على سلم الأولويات[4]، ثم تبعه انعقاد مؤتمر المشرفين على الأونروا في القاهرة مطلع أيلول/سبتمبر 2019.
في ذات السياق، التقى أبو هولي بأشرف سليمان، سفير دولة جنوب أفريقيا لدى فلسطين، لتوظيف علاقتها مع الدول الأفريقية لحثهم على التصويت لتجديد ولاية الأونروا. كما بحث أبو هولي مع سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، آليات التحرك لمخاطبة الاتحادات والبرلمانات العربية والدولية لدعم تجديد التفويض الأونروا. واجتمع كذلك برفقة صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة، مع بعض البعثات الديبلوماسية للدول الأعضاء في الجمعية العامة لحثهم على التصويت لصالح تمديد ولاية الأونروا.
تركز التحرك الفلسطيني على تجديد ولاية الأونروا، رغم تعقيدات الأزمة المالية التي تشهدها، إضافة إلى شبهات فساد وسوء إدارة قد تمنعها من تقديم خدماتها للاجئين بالشكل المطلوب.
جاء التصويت على مشروع قرار "مساعدة الشعب الفلسطيني" [الوثيقة (A/C.4/74/L.10)] لتجديد ولاية الأونروا، ضمن 8 بنود في جدول أعمال اللجنة الرابعة للسياسات وإنهاء الاستعمار، التي تترأسها دولة العراق لهذا العام. وهي لجنة من أصل ست لجان مفرزة من الجمعية العامة لتقديم مقترحات المشاريع وعرضها للتصويت سنويًا، ويجري التصويت الأوّلي كإجراء داخلي تقدمه اللجان الفرعية لتحديد موقف كل دولة عضو، ويعدّ مقدمة لإجراء التصويت النهائي في الجلسة المفتوحة للجمعية العامة المقررة بتاريخ 13/12/2019.
يبدو واضحًا صعوبة العمل في ظل تعقيدات السياسة الدولية الحالية، فالدعم المالي مرهون بأهداف الدول السياسية. لذا، تعمل القيادة الفلسطينية بعد تأمين التجديد الطبيعي للأونروا على تأمين الدعم المالي، ومن ثم المطالبة بمعالجة قضية الفساد وسوء الإدارة.
ما بعد التجديد
لم يكن تمرير قرار التجديد الكامل لتفويض الأونروا مهمة سهلة كما في السنوات السابقة، نظرًا للضغط الأميركي والإسرائيلي الذي شهدته أروقة الأمم المتحدة بهدف
تعطيل القرار، فيما اعتبر رياض منصور، مندوب دولة فلسطين الدائم في الأمم المتحدة، نتائج التصويت تاريخية.
من جهتهه، أكد كريستيان ساوندروز، القائم بأعمال المفوض العام للأونروا، قبيل جلسة التصويت، بأن الأونروا ستواصل تقديم المساعدات إلى حين إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، مطمئنًا المانحين بخصوص التدابير التي وضعتها الوكالة لتعزيز الشفافية وتقوية آليات صنع القرار.
في المقابل، رفضت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل مشروع قرار التجديد، وأشارتا إلى فساد الأونروا وسوء إدارتها. ويعبر التناغم في الموقفَين الأميركي والإسرائيلي عن السياسة الفعلية للتقليل من أهمية الدور الذي تمثله الأونروا وصفتها القانونية تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
ومن جانب آخر، مثّلت الدول المعارضة والممتنعة عن التصويت رؤية السياسة الأميركية، فهذه ليست المرة الأولى التي تتوافق هذه الدول مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية ضد القضية الفلسطينية.
محاولات التقويض
تثير بعض القضايا المتعلقة بالأونروا جرّاء أزماتها المالية والإدارية، بأنه رغم التصويت على تجديد تفويضها، إلا أن الأزمات الحالية تساهم إلى حد كبير في تقويض التجديد، وتحجيم عملها من خلال توقف برامجها وإلغاء خدماتها، وبالتالي تحوّلها إلى مؤسسة رمزية، ويمكن توضيح مسارات التقويض على النحو الآتي:
الخلل الإداري
بعد كشف تقرير لمكتب الأخلاقيات التابع للأمم المتحدة، بتاريخ 30/7/2019، عن سوء إدارة واستغلال سلطة من قبل مسؤولين على أعلى مستويات في الأونروا؛ علّقت في اليوم التالي كل من سويسرا وهولندا مؤقتًا تمويلهما للأونروا، البالغ مجموعه 35 مليون دولار.
وقبل استقالة كرينبول من منصبه، بتاريخ 6/11/2019، على إثر تحقيقات بالفساد، أشار إلى أن الأونروا تعاني من مخاطر وجودية. وأضاف خلال مقابلة له، بتاريخ 18/11/2019، بأن التحقيق نابع من دوافع سياسية، و"استُغل في أوج تطبيق صفقة القرن."
في ذات السياق، طمأن كريستيان ساوندرز أن "التحقيق الذي بدأ خلال الصيف انتهى الآن تقريبا"، وأكد هذا التصريح ما أعلن عنه في خطابه أمام اللجنة الاستشارية للأونروا بأن الاتحاد الأوروبي أفرج عن 21 مليون يورو كان قد حجبها في آب/أغسطس 2019، ما يعني وجود خطوات عملية لإصلاح النظام الإداري داخل الأونروا أدت لطمأنة الممولين.
التصويت مع الحق الفلسطيني
في تصويت الدول أمام اللجنة الرابعة بشكل منفصل على بند "عمليات الأونروا" (الوثيقة A/C.4/74/L.12) ضمن البنود الثمانية للجنة، انتقلت دول جديدة من الامتناع على قرار تجديد الولاية إلى معارضة هذا القرار وهي "كندا، جزر مارشال، جزر ميكرونيزيا الموحدة"، وانتقلت ثلاث دول من الموافقة إلى الامتناع وهي "أستراليا، غينيا الجديدة، روندا"، في تصويت أوّلي يسبق التصويت النهائي بتاريخ 13/12/2019.
ثمة تأثير للولايات المتحدة وإسرائيل على بعض الدول التي تربطها علاقات اقتصادية معهما في تقويض عمل الأونروا، وبالتالي يمكن أن يقود إلى تعليق مساعدات تلك الدول بعد أن قطعت دعمها السياسي للحق الفلسطيني.
من جانب آخر، انكشفت الدول التي تقف ضد الحق الفلسطيني، وتستجيب للسياسة الأميركية والإسرائيلية أمام العالم، فقد صوتت غالبية دول العالم مع مشروع قرار تجديد ولاية الأونروا، مما يؤشر على التوجه العالمي لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، ورفض السياسات الإسرائيلية والأميركية، وهذا يؤشر إلى تجديد التفويض في جلسة الجمعية العامة القادمة.
الأزمة المالية
واجهت الأونروا أزمات عدة، أكثرها تعقيدًا الأزمة المالية التي ظهرت في العام 2018، إذ قطعت الولايات المتحدة في آب/أغسطس 2019 المساعدات بشكل كامل عن الأونروا والمقدرة بـ 360 مليون دولار.
وفي ذات السياق، دعا تكتل الإصلاحيين المحافظين في أوروبا، ولديه 58 مقعدًا من أصل 751 مقعدًا في البرلمان الأوروبي، ويتبنى التعاون المكثف مع الولايات المتحدة، إلى قطع مساعدات الاتحاد الأوروبي عن الأونروا، متذرعًا بشبهات الفساد وسوء الإدارة، إلا أن لجنة الموازنة في البرلمان الأوروبي رفضت الاقتراح وأقرت استمرار التمويل.
تزايدت أزمات الأونروا بعد محاولة الإدارة الأميركية تغيير مفهوم اللاجئ الفلسطيني، وطرح تجديد مدة التفويض للأونروا لعام واحد بدلًا من ثلاثة أعوام قبل أن يقر التفويض لثلاثة أعوام. وفي إشارة واضحة لمحاولة تفكيك الأونروا وتوطين اللاجئين، دعا جيسون غرينبلات، المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، خلال جلسة لمجلس الأمن في أيار/مايو 2019، إلى تقديم المساعدات مباشرة للدول المستضيفة.
تأتي هذه الإجراءات في إطار سعي الإدارة الأميركية لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وشطبها عن طاولة مفاوضات قضايا "الحل النهائي"، واستغلالها للأزمة المالية وتقرير شبهات الفساد وسوء الإدارة للتحريض ضد الأونروا، والتأثير على تصويت الدول ضد تجديد ولايتها.
يمثل العجز المالي للأونروا تحديًا أمام تجديد عملها، إذ ما زالت تعاني عجزا ماليًا قدره 167 مليون دولار للعام الحالي، حسب ما أعلن ساوندرز في الجلسة الافتتاحية للجنة الاستشارية للأونروا، بتاريخ 25/11/2019. وفي ظل استمرار حجب تمويل كل من الولايات المتحدة وسويسرا وهولندا، عوضًا عن الدول التي لا توفي بالتزاماتها كاملة، فإن هذا يعدّ قصورًا كبيرًا في موازنة الأونروا.
على أثر الأزمة المالية، زادت بعض المنظمات والدول مساهمتها في موازنة الأونروا، وأسفر مؤتمر المانحين، بتاريخ 29/9/2019، عن تبرعات إضافية بقيمة 118 مليون دولار توزعت بين الاتحاد الأوروبي (22 مليون) الذي أصبح أكبر ممول للأونروا، وفرنسا (22 مليون)، والسعودية (50 مليون)، وإيرلندا والإمارات واليابان وتركيا (التي ضاعفت مساهمتها 4 أضعاف) (24 مليون).
وفي هذا السياق، تعهدت الإمارات العربية المتحدة، خلال اجتماع اللجنة الاستشارية للأونروا، بدعم موازنة الوكالة بمبلغ 50 مليون دولار، كما ساهمت بمبلع 12.5 دولار كدفعة ثانية لهذا العام. ودعمت ألمانيا كذلك موازنة الأونروا بمبلغ 69 مليون يورو، سيخصص 27.5 مليون منها كمساهمة لجسر العجز المالي للعام الحالي. وحث أحمد أبو هولي الدول التي صوتت لصالح تجديد الأونروا بدعمها ماليًا كما دعمتها سياسيًا.
توضح مساهمات بعض الدول التي زادت من مساهمتها بشكل مضاعف للأونروا خلال العام الماضي على تجاوز أزمتها المالية، وهي مستمرة بزيادة مساهمتها للعام الحالي مما يشير إلى أنه بالإمكان تجاوز هذه الأزمة
تقليص الخدمات
تشهد خدمات الأونروا منذ سنوات تقليصًا متصاعدًا، إذ شهد قطاع التعليم عدم تجديد لمئات المعلمين، إلى جانب وقف التعيينات للوظائف الجديدة، وتفعيل التعيين بنظام المياومة، وزيادة أعداد الطلاب في الفصل الواحد، وشهد كذلك القطاع الصحي نقصًا حادًا في الأدوية، إضافة إلى تقليص الإغاثة الإنسانية لآلاف الأسر من نظام المساعدات الغذائية الطارئة.
وجراء التقليصات التي تتبعها الأونروا، أضرب العاملون في الأونروا في المملكة الأردنية الهاشمية في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، مما حدا باللاجئين هناك إلى التوجه للحكومة لتعويضهم عن هذه الخدمات، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر حول توطين اللاجئين. وتنطبق هذه التقليصات على مناطق عمليات الوكالة الخمس: قطاع غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، والأردن.
خاتمة
يمنح تجديد ولاية الأونروا لثلاثة أعوام مقبلة في حال إقراره المرتقب بشكل نهائي في كانون الأول/ديسمبر 2019 فرصةً لاستمرار عملها بشكل طبيعي، ويعزز قدرتها على تجاوز أزماتها المالية والإدارية التي تعاني منها، إذ يفتح ذلك الباب أمام تحصيل الأموال اللازمة من الدول الداعمة لتنفيذ برامجها، ويحافظ على تقديم خدماتها للاجئين من جانب، ويساعدها على تطوير نظامها الإداري ومكافحة الفساد من جانب آخر.
أما إذا تجدد تفويض الأونروا واستمرت المساعي الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى تفكيكها وإنهاء عملها، إلى جانب تعميق الأزمات المالية والإدارية، فإن اللاجئين سيواجهون على الأقل تقويضًا كبيرًا لعمل الأونروا.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://www.pn-news.net/news13979.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.