آخر الأخبار :

ورقة تحليل سياسات :قضايا التفريق في محاكم قطاع غزة الشرعية بين التعقيدات المفروضة والعدالة المأمُولة.

هذه الورقة من إعداد: إبراهيم إرشي، أروى عيد، آية المغربي، هلا الزهيري، ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات الذي ينفذه مركز مسارات - الدورة الخامسة 2018-2019.
مقدِّمة
نظم قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني المستمد من المذهب الحنفي المُقر في عهد الدولة العثمانية، وكذلك قانون حقوق العائلة الفلسطيني المُقر في العام 1954، مواضيع الأحوال الشخصية للمسلمين من زواج، وطلاق، ونفقة، وتفريق، ووضح الآلية التي يتم بها إنهاء الحياة الزوجية، حيث يستطيع الرجل في فلسطين إنهاء حياته الزوجية في أي وقت يشاء، وذلك بإيقاع لفظ الطلاق على زوجته، بينما يحق للمرأة بحال رغبت في ذلك رفع دعوى تفريق؛ أي الفصل بين الزوجين وإنهاء العلاقة الزوجية بموجب حكم قضائي صادر عن دعوى تقوم الزوجة برفعها إلى المحكمة الشرعية مع احتفاظها بحقوقها المالية من تابع مهرها المعجل "عفش البيت"، ومهرها المؤجل "المُتأخر".
ووفق قوانين الأحوال الشخصية الفلسطينية، تستطيع الزوجة رفع دعوى تفريق في سبع حالات فقط على سبيل الحصر وهي التفريق (للضرر من الغياب، وللتعليق، وعدم الإنفاق، وللشقاق والنزاع، والسجن، وللعيب والعنة، والجنون)، ويشترط توافر اعتبارات وأسباب لرفع كل دعوى من هذه الدعاوى، أهمها أن تكون العلاقة الزوجية الصحيحة قائمة بين الزوجين بموجب عقد شرعي؛ إضافة إلى وجود شروط أخرى خاصة بكل دعوى، فيشترط لرفع دعوى التفريق للضرر من الغياب: سفر الزوج وغيابه مدة أكثر من سنة بلا سبب شرعي أو عذر مقبول، وأن يكون الزوج مجهول محل الإقامة في الخارج، ولم يطلب زوجته للسفر إليه طوال مدة سفره. ويشترط لدعوى التفريق للضرر من التعليق: إساءة معاملة الزوج لزوجته بدرجة يستحيل معها دوام العشرة، وعدم قيامه بواجباته الزوجية والأسرية ومعاشرة زوجته معاشرة الأزواج، وغياب الزوج لفترات طويلة خارج البيت، أو تعمده تركها لا متزوجة ولا مطلقة بغرض تعليقها. ويشترط لدعوى التفريق لعدم الإنفاق: عدم نفقة الزوج شيئاً من مبلغ النفقة المستحق عليه بموجب رفع زوجته دعوى مطالبة نفقة خلال ستة أشهر من تاريخ صدور الحكم، وعدم وجود مال ظاهر له أو وديعة لدى الزوجة لتنفق منها. ويشترط لرفع دعوى تفريق للنزاع والشقاق: قيام الزوج بضرب زوجته مرات عدة ضرباً مبرحاً يتجاوز حد التأديب، وإساءة معاملتها كقيامه بالسب والشتم والإهانة باستمرار. ويشترط لدعوى التفريق للسجن: صدور حكم نهائي على الزوج بحبسه مدة أكثر من ثلاث سنوات، وقضاؤه مدة أكثر من سنة داخل السجن. ويشترط لدعوى التفريق للعيب: عدم قدرة الزوج الدخول على زوجته لوجود عيب جنسي؛ كأن يكون عنيناً أو مجبوباً أو خصياً، وعدم علم الزوجة بهذا العيب قبل الزواج، وعدم وجود أي حل طبي أو أمل للشفاء والتحسن في حالته.[2] ويشترط لرفع دعوى تفريق للجنون: إصابة الزوج بعد الزواج بجنون مطبق وعدم شفاؤه منه، وتضرر الزوجة من جنونه كتعرضها للضرب والإيذاء.
وعلى الرغم من توضيح القانون في طياته، وعلى عدة مواد متفرقة ومتباعدة، لآلية إنهاء الحياة الزوجية، فإن السياسة التشريعية التي اتبعها، تعتبر غير منصفة وغير كافية، وتتسم بالكثير من النقص والتعقيد المفروض على المرأة الفلسطينية، وما زال هذا التنظيم القانوني والقضائي عاجزاً عن تمكينها من نيل حقها وغير متوافق مع روح العصر أو مبادئ العدالة والقانون الأساسي الفلسطيني الذي دعا إلى تمكين المرأة من نيل جميع حقوقها المختلفة.
تحليل المشكلة
تعتبر قوانين الأحوال الشخصية الفلسطينية من القوانين التي تنضوي على الكثير من التعقيدات والتقييدات لحقوق المرأة الفلسطينية، وبخاصة التي تطالب بالانفصال عن زوجها، وهذه التعقيدات تعود إلى أسباب عدة: أسباب تتعلق بقدم القانون نفسه وعدم مواكبته للسياقات الاجتماعية والثقافية الفلسطينية الحديثة، وأخرى تتعلق بتعقيدات الإجراءات القضائية وطبيعة العمل القضائي في فلسطين بشكل عام، وما يتعلق منه بجزئية قضايا التفريق بشكل خاص، إضافة إلى ذلك ما له علاقة بالفهم العام للآثار التي تتركها عدم فاعلية قضايا التفريق على المرأة الفلسطينية والأسرة والمجتمع بشكل عام.
من ناحية شكلية، تتسم القوانين الفلسطينية الشرعية بصعوبة الإثبات، فتفرض العديد من الإجراءات والشروط التعقيدية التي يفترض على المرأة إثباتها لكسب الدعوى حسب موضوعها، فتشترط على الزوجة في دعوى التفريق للنزاع والشقاق تقديم بيِّنات حول قيام الزوج بسوء معاملتها وضربها تتمثل في إحضار تقرير طبي صادر عن مشفى رسمي؛ الأمر الذي يصعب إثباته عملياً في ظل البيئة الفلسطينية المحافظة التي تعتبر إبلاغ الزوجة عن تعرضها للضرب وإصابتها من قبل زوجها فور وصولها إلى المستشفى، أمراً شائناً في ظل قيام الزوجية، وكذلك إحضار الشهود أمر صعب، وبخاصة أن نوعاً كهذا من الخلافات يحدث بين الرجل وزوجته بعيداً عن أنظار المجتمع، نظراً لخصوصية العلاقة بينهما؛ الأمر الذي يفضي غالباً إلى عجز الزوجة عن تقديم البيِّنة المطلوبة، وبالتالي رد الدعوى أو انتقالها إلى مرحلة ثانية منها، تحتاج لمضي 6 شهور باعتبارها عاجزة عن تقديم بيِّناتها، فيتم إدخال حكمين بينها وبين زوجها لتقدير نسبة الخطأ على كلٍّ منهما تبعاً لتقدير قيمة الحقوق المالية المستحقة للمرأة من تابع مهرها المعجل "عفش البيت"، ومهرها المؤجل "المتأخر" بمقدار نسبة خطئها. كما يشترط القانون في قضية التفريق للغياب حصول الزوجة على مضبطة موقعة من مختار منطقة حي الزوج قبل غيابه، وكذلك ختم مركز شرطة منطقته، وختم جميع المحاكم الشرعية على كتاب بحث وتحرٍّ حول المدعي، وعما إذا كان معروفاً لديهم، فيُرد من قِبلهم بأنه "خارج البلاد وغير معروف محل الإقامة" خلال شهر قبل انعقاد الجلسة الأولى للدعوى، وتعتبر هذه الإجراءات طويلة ومرهقة وتتخذ طابعاً شكلياً بحتاً، فغالباً ما يجري ختم الأوراق المطلوبة لدى أي مختار من منطقة سكنه، وربما لا يعرف شيئاً عن عائلته، وكذلك تقوم الشرطة وجميع المحاكم بختم الورقة فورياً في حال وصولها بدون اتخاذ أي إجراءات مسبقة، أو التحري حول الشخص من قبل المباحث، أو التأكد من أرشيف المحكمة حول بيانات الشخص.
من ناحية زمنية، تتسم القوانين الفلسطينية بطول أمد التقاضي، بحيث تستغرق القضايا وقتاً من قبل السيدة للحصول على حكم؛ فمتوسط الفترة الزمنية المستغرق للحصول على حكم يقدر من عام ونصف إلى عامين في الأحوال الطبيعية للقضايا كافة، وقد تمتد بعض القضايا لأكثر من ذلك؛ فمثلاً في دعوى التفريق للجنون بعد مضي سنة على رفعها الدعوى الأولى وحصولها على حكم بالتفريق، يتم تأجيل تنفيذ التفريق لمدة سنة، حيث تقوم الزوجة برفع دعوى أخرى تبين فيها أن زوجها لا يزال مجنوناً، ويتم السير فيها بنفس خطوات الدعوى الأولى، إضافة إلى تقديمها تقريراً طبياً حديثاً، ومن ثم تحصل على إعلام حكم تأجيل التفريق السابق، وكذلك دعوى التفريق للنزاع والشقاق التي تم ذكرها سابقاً، وتتكون من مرحلتين لا نستطيع البدء بالمرحلة الثانية إلا بعد مضي 6 أشهر على الأولى. إضافة إلى كثرة التأجيلات والمماطلة من قبل الزوج بواسطة وكيله المحامي، فكل هذه الشروط تطيل أمد التقاضي في ظل إعلان الزوجة رغبتها في إنهاء الحياة الزوجية.
يستطيع الرجل في أغلب دعاوى التفريق التنصل منها جراء وجود نقص أو عوار أو جمود تشريعي في بعض النصوص، فمثلاً في دعوى التفريق لعدم الإنفاق يشترط امتناع الزوج عن الدفع لزوجته خلال ستة أشهر، ويعلم الكثير من الأزواج ماهية وعوار القانون، فيقومون بدفع نفقة شهر واحد في الشهر السادس لرفع الزوجة دعوى النفقة عمداً لإسقاط دعوتها لاحقاً، ناهيك عن قيام المحكمة حتى بعد انتهاء الـ6 شهور بإعذاره، وذلك بإمهاله شهراً كاملاً لكي يقوم بدفع النفقة المترصدة بذمته، فإذا قام بالدفع تسقط دعوى الزوجة!
تتسم قوانين الأحوال الشخصية في فلسطين بالقدم، وعدم مواكبة مجريات العصر ومتغيراته، أو المواءمة مع اتفاقيات حقوق الإنسان والمرأة بشكل خاص، فما زالت المحاكم تعمل وفق أحكام المجلة العدلية المستمدة من المذهب الحنفي منذ خضوعها لحكم الدولة العثمانية وحتى تاريخه.
ضرورة استعانة المرأة بمحامٍ لتمثيلها في رفع الدعوى جراء دقة وحساسية هذه الدعاوى، واهتمام القضاة بحرفية كل كلمة ترد في لائحة الدعوى أو محضرها، فتردُ الدعوى بحال وجود أي خلل أو خطأ حتى لو كان إملائياً مهما بلغت درجة بساطته، الأمر الذي يثقل كاهل المرأة من ناحية اقتصادية. وعلى الرغم من وجود عيادات قانونية متفرقة في محافظات قطاع غزة والضفة الغربية، فإنها تقوم بالتمثيل القانوني لقضايا النفقة والحضانة فقط.
إن كثرة الإجراءات والتقييدات المفروضة على المرأة تدفعها للعدول عن حقها في الانفصال، والقبول بأوضاع اجتماعية قاسية، وتسبب لها المعاناة قد تصل لحد الموت في بعض الأحيان، وبخاصة في حالات العنف الجسدي، أو قد تدفعها غالباً إلى التنازل عن كافة حقوقها المالية من باقي المهر المعجل والمتأخر ونفقة العدة في مقابل الحصول على الطلاق فيما يعرف "الطلاق مقابل الإبراء التام".
وبالنظر إلى عدد حالات الطلاق مقارنة مع عدد حالات التفريق في فلسطين للعام 2017، نجد أن عدد حالات الطلاق في فلسطين للعام 2017 بلغت (8568) حالة؛[3] بواقع (5326) في الضفة الغربية، بموجب (3897 حالة طلاق) و(1429 قضية تفريق)، وبواقع (3255) في قطاع غزة، بموجب (1272 حالة طلاق) و(1983 قضية تفريق).
وبالنظر إلى عدد حالات الطلاق في قطاع غزة للعام 2018، فقد بلغ (3171)؛[5] بواقع (1891 حالة طلاق) و(1280 قضية تفريق) وفق توزيع الأنواع التالي:[6]
نلاحظ أن عدد حالات الطلاق والتفريق، إجمالاً، في الضفة أعلى منها في قطاع غزة للعام 2017، وهذا يعود إلى كبر مساحة وعدد سكان ومدن الضفة الغربية مقارنة بقطاع غزة، ونلاحظ ارتفاع عدد حالات الطلاق مقارنة مع قضايا التفريق في الضفة الغربية، بينما ارتفع عدد قضايا التفريق عن حالات الطلاق بعدد 711 قضية في قطاع غزة.
ونلاحظ ارتفاع عدد حالات الطلاق في قطاع غزة للعام 2018 بواقع 619 حالة عنها في العام السابق، بينما انخفض عدد قضايا التفريق، بشكل ملحوظ، عنه بواقع 703 قضايا، ولعل ذلك يعود إلى جميع الأسباب السابق ذكرها، لاسيما صعوبة وتعقيد إجراءات قضايا التفريق، والتكلفة المالية في ظل ظروف قطاع غزة المحاصر. كما نلاحظ أن دعوى التفريق للنزاع والشقاق هي أكثر الدعاوى شيوعاً في المحاكم الشرعية، ويعتبر ذلك منطقياً؛ كونها الدعوى الوحيدة التي تشتمل في طياتها على وجود عنف جسدي ونزاعات وخلافات ضرب أو عنف لفظي كالشتائم، وهما الأسباب الأكثر شيوعاً في مجتمعنا الفلسطيني.
الأهداف
يتمثل الهدف الرئيس للورقة في تقديم بدائل واضحة لصانع القرار الفلسطيني، بحيث يستند إليها في إحداث تغييرات تشريعية وقضائية أكثر إنصافاً وعدالةً للمرأة الفلسطينية، وتراعي حقوقها الطبيعية، وتقدم مزيداً من التسهيلات والتمكين لها، وتتوافق مع الدستور الفلسطيني والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة، وبخاصة اتفاقية سيدوا المقرة العام 1979.
البدائل السياساتية المقترحة
نظراً لكثرة وتعدد الإشكاليات المرتبطة بقضايا التفريق المتعلقة بالمرأة، فإن انطلاقنا لاقتراح بدائل لهذه الإشكاليات، سينطلق من نظرة شمولية واحدة تعالج جميعها، وليس كل إشكالية بعينها، وهذا يعود إلى قِدم القانون نفسه، ومغايرة تنظيمه عن كافة القوانين المعاصرة.
البديل الأول: استحداث تنظيم قانوني جديد ومتكامل لكافة قضايا التفريق (الأحوال الشخصية)
يقتضي هذا البديل اقتراح قانون جديد من مجلس الوزراء الفلسطيني، أو من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني ممثلاً بأحد أعضائه، أو من خلال تبني اقتراح مقدم من مؤسسات المجتمع المدني وفق آلية اقتراح القوانين المتبعة في فلسطين. ويضم هذا التنظيم جميع قضايا ومواضيع الأحوال الشخصية؛ من الزواج، والطلاق، والتفريق، والنفقات بأنواعها؛ سواء زوجة أو والدين أو أبناء، وإيقاع الحجر وفكه، ونصب القيِّم والوصي وعزله، ودعاوى الهبات والوصايا والولاية، وتوزيع الميراث وخلافاته، وإدارة أموال الأيتام وتنميتها، والدعاوى المتعلقة بالأوقاف الإسلامية، إضافة إلى استحداث دعوى الخلع وإقرارها، وهنا يجب عدم الاكتفاء بصياغة أعضاء المجلس التشريعي، بل اختيار لجنة من خبراء وضع التشريعات المحليين، ومن دول عربية وإسلامية مجاورة، نظراً لتقارب مرجعية هذا القانون المنطلقة من الشريعة الإسلامية، وحساسية وأهمية جميع مكنوناته وتأثيرها المفصلي على حياة المواطنين، لاسيما النساء.
المقبولية: يلاقي البديل الأول القبول والدعم والتأييد من قبل جميع مكونات الدولة الفلسطينية، فإقرار تشريع أحوال شخصية جديد متوافق مع روح العصر، يعتبر أحد أهم مطالب الشعب، ويجعل تشريعاتنا متسقة مع الدول المجاورة والمعايير الدولية من حيث مضمون النص وعدالته، وشكل تنظيمه وصياغته.
التكلفة: يعتبر إقرار تنظيم قانوني متكامل غاية في التكلفة على الدولة؛ كونه يتطلب التعاقد مع لجنة خبراء ومختصي صياغة تشريعية محليين وإقليميين وربما دوليين أيضاً، وعقد الكثير من الجلسات التحضيرية والتشاورية القبلية، وجلسات وورش إعداد القانون وصياغته، ومن ثم جلسات تنقيحية وتغذية راجعة مع قضاة شرعيين ونظاميين وحقوقيين ومحامين ومواطنين عاديين وإعلاميين لإبداء الرأي فيه، إلا أنه في الوقت نفسه، لا يمكننا تناسي أثر ومكاسب هذا البديل على المجتمع نظراً لكبر حجم معضلة قضايا التفريق في المجتمع الفلسطيني، وإنتاجه قانوناً عصرياً في حال تم تنفيذ البديل، وبخاصة أنه من الممكن الاستعانة بمؤسسات المجتمع المدني لصياغة مسودة مشروع القانون بهدف تقليل التكلفة والجهد عن الدولة.
الشرعية: يعتبر البديل بحد ذاته مشروعاً، ولكن، وبشكل قانوني منصف ومحايد، يعتبر كل من المجلس التشريعي كسلطة تشريعية، والرئيس ومجلس الوزراء كسلطة تنفيذية؛ فاقداً للشرعية، ومنتهياً فترة الولاية، وبالتالي ليس بمقدور أيٍّ منهما إقرار تنظيم قانوني متكامل للأحوال الشخصية الفلسطيني.
الإمكانية: توجد صعوبة شديدة في إمكانية تطبيق هذا البديل حالياً في ظل الانقسام السياسي الفلسطيني، وعدم وجود توافق بين المجلس التشريعي والرئيس الفلسطيني، وعدم مصادقة الرئيس على جميع التشريعات التي يقرها، حيث يشكل الانقسام الفلسطيني وعدم سلامة العملية التشريعية، عقبة كبرى في إقرار قانون أحوال شخصية فلسطيني، إلا أن ذلك لا يُضعف من أهمية العمل على هذا البديل باعتباره ضرورة ملحة ماثلة أمام صناع القرار، ومطلباً مجتمعياً قديماً وحديثاً؛ أملاً في الوصول إلى قانون شرعي يناسب السياقات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني اليوم.
البديل الثاني: إصدار تعميمات قضائية تعالج مواضع الإشكاليات (طول المدة الزمنية، وإثبات الأدلة) في قضايا التفريق
يتضمن هذا البديل قيام رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي باستخدام حقه في إصدار نظم ولوائح وتعميمات قضائية تبعاً لمقتضيات العمل وحاجته، فنقترح قيامه بإصدار تعميمات من شأنها حل الإشكاليات القضائية، والإشكاليات المتعلقة بالعملية الإجرائية القائمة، بما تحتويه من تعقيدات تعيق في قضايا التفريق، بحيث يأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الحالات السابق ذكرها، ومن أبرزها الوقت، وإثبات الأدلة التي تؤثر سلباً على وضع المرأة الاجتماعي ومستقبلها هي وأسرتها وأطفالها.
المقبولية: يلاقي هذا البديل مقبولية ومطالبات واسعة كونه سيجد حلا آنياً لجميع الإشكاليات غير المنصفة للمرأة الفلسطينية وفق الثغرات والنقص الموجود في كل نوع من أنواع التفريق.
الإمكانية: يعتبر البديل الثاني ممكناً جداً وسهل التوافر، وتم استخدامه فيما مضى لحل بعض الإشكاليات التي طرأت في العمل التشريعي والقضائي لديوان القضاء الشرعي في قطاع غزة، وسنوياً يصدر مجموعة من التعميمات الإدارية والقضائية المتنوعة.
التكلفة: تكاد التكلفة تكون طبيعية في حال إقرار بديل كهذا، ومن المهم أن يتم تشكيل لجنة من الخبراء والقضاة الشرعيين في ديوان القضاء الشرعي لدراسة أبرز العقبات والتحديات، ومن ثم صياغة التكييف القانوني لها في شكل لوائح وتعميمات قضائية مُحكمة.
الشرعية: يحوز هذا البديل على الشرعية القانونية كونه حقاً منح لرئيس ديوان القضاء الشرعي لتسيير أعماله.
البديل الثالث: إجراء مواءمة مع الاتفاقيات الدولية لكافة التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بما فيها قضايا التفريق
يقع هذا البديل ضمن مجموعة الواجبات الملقاة على عاتق دولة فلسطين في مواءمة التشريعات المحلية مع التشريعات الدولية، وتقديم تقارير دورية حولها، وبخاصة فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية التي انضم إليها الرئيس الفلسطيني في نيسان 2014، بما فيها اتفاقية سيداو المتعلقة بحقوق المرأة، فيقتضي الأمر على لجنة مواءمة التشريعات المشكلة من قبل الرئيس الفلسطيني، وضع قوانين الأحوال الشخصية على سلم أولوياتها وإجراء مواءمة لجميع موادها بمختلف مواضيعها، فحتماً بتدقيق مواد قوانين الأحوال الشخصية سيتضح مدى بعدها ونشوزها عن الاتفاقيات الدولية نصاً وروحاً.
المقبولية: يلاقي هذا البديل موافقة وتأييداً محلياً من غالبية أفراد المجتمع -باستثناء أولئك المعترضين على انضمام دولة فلسطين إلى الاتفاقيات الدولية برمتها دون التحفظ على بعض المواد التي تخالف الشريعة الإسلامية، وبخاصة باتفاقية سيدوا- وهو بمثابة التزام تعاقدي يقع على عاتق دولة فلسطين بموجب مصادقتها على الاتفاقيات الدولية.
الإمكانية: تتوافر الإمكانية النسبية لهذا البديل؛ حيث تتضمن قائمة لجنة مواءمة التشريعات الكثير من القوانين لمواءمتها. ويتطلب إجراء عملية المواءمة لأي قانون الكثير من الوقت والجهد والدراسات والمراجعات؛ فوضع قوانين الأحوال الشخصية على قائمة انتظار عمل هذه اللجنة، قد يستغرق سنوات عدة بالتزامن مع استمرار وجود الإشكاليات التي تعاني منها المرأة الفلسطينية وقيامها.
التكلفة: يحتاج هذا البديل إلى تكلفة مادية تعتبر مرتفعة؛ لتستمر لجنة مواءمة التشريعات في عملها وعقد الاجتماعات واللقاءات والدراسات اللازمة.
الشرعية: تم تشكيل لجنة مواءمة التشريعات بموجب قرار رئاسي تعمل وفقه وتحوز شرعيتها منه.
المقترحات والتوصيات
على الرغم من أهمية وقيمة كل بديل وفعاليته، فإن الورقة تنصح باستخدام البدائل بشكل تدريجي؛ بدءاً من البديل الثاني، حيث إنه يمثل استجابة سريعة للإشكاليات وغير مكلفه وسهل التطبيق، كما إنه يتجاوز التعقيدات السياسية والتشريعية التي يمر بها المجتمع الفلسطيني، علاوة على ذلك، فهو يمهد للبديل الأول، حيث إنه في حال تطبيقه وفقاً لتعميمات قضائية ناجحة، فإن هذا سيؤثر في سرعة وجهوزية سن قانون أحوال شخصية مستقبلاً في حال إنهاء الإشكاليات السياسية الداخلية، كما إنه يمنح المشرع الفلسطيني، مستقبلاً، القدرة على معرفة الخلل وتفاديه وتراكم الإنجازات.
يلي ذلك ضرورة الشروع في البديل الثالث، حيث إن مواءمة التشريعات الفلسطينية مع الاتفاقيات الدولية من القضايا التي تحظى بجدل كبير في الحياة الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، وبخاصة عندما تتعلق القضايا بالموروث الثقافي والديني للمجتمع الفلسطيني، ولهذا فإن المواءمة مطلوبة، وذلك من خلال لجنة المواءمة
الرسمية، مع إشراك وتعاون عدد من الشخصيات ومؤسسات المجتمع المدني، لتقوم بتقديم توصياتها للمستوى السياسي والتشريعي لإقرارها مستقبلاً.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://www.pn-news.net/news11937.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.